ها انت
تحاول المستحيل
كي تستعيد أعوامك المهدرة
وأنت تتسكع بنواصي التاريخ
وفي يدك حفنة من الكلمات
التي تجعدت وتقوست ظهورها
واضطررت للصلاة علي كرسي في الصف الأخير
في الصف الأخير يعبرك المصلون للخارج
الخارج الذي كنت فارسه وأنت تشق البطن
وتنتزع الوليد الذي يتخطفه الموت
الموت الذي داعٍبك أكثر من مرة...
لا تكترث
ليس بالأمر المهم
سينقشع الضباب اليوم
او بعد الف عام
وستكون قادرا على جمع الطمي منه
لتبني نعشاً
لمن غرقوا هناك
لتبني مركباً قادرا على الابحار من فوق السراب
دون إن يجرح مجدافه
سيف الخرافة
لا تكترث
فالموت ليس كما اُشيع عنه
انه طفلُ لطيف
ونحن لسنا سوى دُمى
فكيف يكترث الصغار
للدُمى
حين تسقط...
أستعين بظلي
في ممارسة الحزن والندم
لدي ما يكفي أيضا من الوجوه التراجيدية
ولا بأس حين ينتزع الموت الفجائي مني دمعة؛
امرأة مثلي تقاضي أيامها الباردة
بكتابة عرائض
تلصقها على ستائر الليل
وحين ينفد مني الأرق
أستسلم للخواء في رأسي
وأصاحب مواتي إلى القبر
حيث لا حجر سيحمل اسمي
ولا ساق وردة تصلح للكتابة...
يا عنسبا ..
قل للعابرين قرب ضفافك
يا أيها البسطاء
خذوني في سلالكم خلسة
كي أدوزن إيقاع أغنيتي
علي أصوات الحوافر
متوشحا شوقي معطفا
والضجر الموزع في ثنايا الغياب
يا كرن ..
قولي للنوافذ حين توقظها حبات المطر
أنا يقتلني الحنين
يلفني النيل في تلابيبه
أُبصر من شرخ أشواقي ..
الطرقات المعطرة بالمحبة...
في ثانيةْ
في لون المدى المتأصِّل في شفتيكَ
غُيَّبتْ سنوات
كانت فيها الأوردة كرة صوفٍ بالية
يدحرجها الندم
على ظلال
على أنفاس
رماديَّة..
في ثانيةْ
انكمش الموت
ثابَ القبر
تنفَّستْ شاهِدةْ..
كانت خادعة
لا يهم..
كانت عابرة
لا يهم..
كانت رقمًا، ثانية
لا يهم..
ثالثة أو رابعةْ
خامسة أو سادسةْ
لا يهم...
آه! فمي المدور حين يقول "وداعا"
الكرة الأرضية بأكملها تتحطم في بصري
أفضل دائما أن أترك يدك لتعيش بسلام
على أن أمسكها و أنا غافلة عنك و باردة
لي ألمي و جنوني و هفواتي
لي دائما الهموم التي أفشل في أن أحصيها
لكنني أبدا لم أقص جناح طائر
لم أحبسه
لم أذبحه
دائما أفرح حينما و بصخب يرفرف أمامي دونما...
مثل زمنٍ أدار ظهره للصدى
مثل شراع عصرت قلبه العاصفة
سقطت ورقةٌفي غابة حاصرتها الرياح
سمع الموتى صراخا في قلب الهواء
ولم يفطنوا إلى أن حلما يختنق
تلك الورقة التي ماتت علاقتها بالشجرة
ستعيش لنفسها من الآن
بعد أن أرهقتها العلاقة المعلّقة
وامتصت حلمها بالحرية
تلك الورقة التي انتهت صلاحية حلمها
سقطت...
عندما يكون شِعرُكَ
حامضاً كالأسيد
كالوطن المعجون بالمضض
وعندما تدخل الكلمات في المخاض
ثُمّ لا تلد
وعندما تَشرّدُ الحروفُ
كالأطفال في الشوارع
وعندما تستحكمُ الأحقادُ
كالضّباعِ في المرابض
فما الذي يبقى
لكي تهمسه
في أُذُن الضجيج والصّخب
وهل تقولُ ما تقولُ
كي ترفع عن
ضميرك العتب
وهل يبلغُ صوتُكَ...
الإهداء: .. إلى روح الشاعر الكبير نزار قباني صانع الإنقلابات
في ثورته الشعرية على الأوضاع المترهلة في العالم العربي.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
****
من أجل شعب طيّب
من أجل أطفال صغار
من أجل فك القيد عن وطن ...
يكبله الحصار
هيأت للنصر العظيم مراكبا
وركبت تجتاز الردى
وسط البحار
ورفعت صوتك...
تندلق الذكريات فوق فيافي الحلم
تاركة وهما يتمدد في سريرها
مازالت إلى الآنَ
تخيط من ابتساماتها جرحا باللون الأبيض
وتلملم من قوافل الظل فوضى الأغاني
مازالت إلى الآنَ
تُعِدُّ فنجان قهوتها
لصباحها الذي لم يأتِ بعد
اليوم
تُلمع اناملها بحناء التوت
تتأمل لوهلةٍ
في تلك القناديل التي تحكي سهدها
لكنّها...
اليوم؛
لا عزاءات ترضي
ولا أسباب تكفي
كل شيء رمادي وقاتم
لا ألوان مُبهِجة.. ولا شغف يُنْسِي
اليوم؛ ترمي الحياة ورقتها الرابحة، وتضحك!
من كل إتجاه تحاصرك الهموم، تلتهمك، تدهسك كورقة جافة غيّبها الموت في ريعان الشباب.
وأنت -بغبائك- تظنها محنة عابرة، تقنع نفسك أنها ليست القاضية، رغم أنّ كل شيء يقول...