جلست مع أذان الفجر، وسكون المدينة يعانق أطرافها. فتحت النافذة المُشرعة على منارة الجامع القريب، تنصت لآيات المؤذن تتسلّل مع خيوط الضوء الأولى كنقاء الوعد. رفعت رأسها نحو السماء، تحدّث النجوم كما اعتادت كل فجر، كأنها تبحث عن يقين ضائع بين مجرّات الغياب.
تمتمت بصوت يكاد يبتلعه الصمت:
ـ لماذا طلب...
الأستاذة في انتظارك منذ نصف ساعة…
دخلتُ مكتبي مترددًا… لا أعرف لماذا شعرت، وأنا أمسك مقبض الباب، أنني أفتح غرفة قديمة في نفسي، لا باب مكتبي الخاص.
كانت تقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، ظهرها نحوي، تتأمل شاطئ بحر الإسكندرية الغارق في ضوء الغروب.
وحين التفتت… داهمتني المفاجأة.
شهقت: — معقول…...
المطر رسالة سرية بين الأرض والروح بين الإنسان ونفسه الأولى، بين القلب وما نسيه من براءته القديمة حين يهطل المطر، نشعر أن العالم يغتسل وأن شيئًا في داخلنا يريد أن يغتسل أيضًا من التعب، من الخيبات، من القسوة التي تراكمت مثل غبار السنوات
نقف أمام النافذة، لا لنراقب الشوارع فقط، بل لنراقب أنفسنا...
كنتُ صغيراً حين لمحتُ الحاج محمود في حيّنا... رجلٌ نحيفٌ أنيقٌ، يعتمر سِدارةً فيصلية، ويمشي بخفَّةِ مَن يعرفُ أنَّ الدُّنيا لا تستحقُّ كثيراً من الضَّجيج. كانَ منزِلُهُ قُبالةَ منزِلِنا، وكانَ حضورُهُ هادئاً حتى أنَّ المرءَ يكاد لا ينتبه إليه، لولا تلكَ النَّظرةُ الطَّويلةُ التي كانَ يرمقُ بها...
#بعد شهور طويلة من التلصص العاطفي الصامت، من مراقبتها عن بُعد كما يراقب الفقير واجهة محل فاخر يعرف مسبقا أنه لن يشتري منه شيئا، وقفتُ أمامها أخيرا.
كنت أراها كل صباح تقريبا تعبر ممرات الحي الجامعي بخطوات هادئة، تحمل كتبها إلى صدرها كأنها تحتمي بها من العالم. لم تكن الأجمل في الكلية، ولا الأكثر...
هكذا ينعتونه في القرية.. أحد الجيران القادمين من وراء البحار أهداه هاتفا ذكيا مستعملا.. تعلم بسرعة كيف يسبح في العالم الأزرق..
اختفى حمو يومين بالتمام والكمال.. لم يفعلها من قبل.. كان يختفي يوما أو نصف يوم، ثم يظهر مثل ثعلب زفزاف، لكن من غير ذيل.. خشيت أمه أن يكون قد حصل له مكروه.. في كل مرة...
الترابُ يضطرب، ويزفر ببطءٍ تحت أقدامنا. غضضنا أبصارنا عن بعضنا، ووهبنا السمع كلّه للجهة التي نبتعد عنها؛
للأرض التي كانت على وشك النطق. رنّ صوتُ صبِّ الشاي في الأكواب غريبًا، مبتورًا، ومنفصلًا عن لحظتنا.
قال خليل أخيرًا:
— الغريب… رغم كل هذه السنين، ما زلنا نتحدّث عن الأشياء نفسها.
ردّ عماد،...
يُعد دور "الشيخ سلام" في مسلسل "شيخ العرب همام" (2010) - من وجهة نظري - علامة فارقة في مسيرة الفنان مدحت تيخا، والكثير من النقاد والجمهور يصفونه بأنه "ماستر بيس" تاريخه الفني.
فما الذي جعل هذا الدور الأروع في مسيرته؟
الخروج من نمط الكوميديا؛ فقبل هذا الدور، كان يُحصر مدحت تيخا في أدوار الشاب...
استقالة عم عبده
قصة قصيرة: أحمد رجب شلتوت
كلنا نعرف عن "عم عبده" صراحته وشجاعته في قول الحق، ونقول أن الله أكرمه بنفس لوامة، فإن أدرك خطأه يعترف به، ويعتذر عنه، ويجاهد نفسه حتى لا يعود إليه، لكن عيبه، والطبيعي ألا يخلو أحدنا من العيوب، أنه أحيانا يترك نفسه لسورة الغضب فيبدو _ كما رأيناه...
واصلت ذلك الصباح عادتي اليومية في فترة إجازة الصيف. ذهبت إلى مكان بيع القهوة، ونقدْت البائعة ثمن الفنجان وأخذت أحتسي القهوة ببطء مصغياً إلى حديث الزبائن السريع سرعة تناول القهوة في مكان ليس فيه كرسي واحد، مكان يتناول فيه الزبائن مشروباتهم واقفين داخل المكان أو خارجه، ليوفروا، لذلك، ماركاً ونصف...
ــ لقد سئمتُ الحياة ومتاعبها.
كانت هذه كلماته الأخيرة، تتساقط كأوراق الخريف، وتتلاشى أنفاسه في العدم. ومن بين تلك الأنفاس الأخيرة، انفتح داخله يقينٌ متذبذب أن وجوده في الحياة لم يكن باختياره، ومن هذا اليقين المرهق تراءت له ضوضاء أصوات مبهمة، ورسائل غير مفهومة، وأنه كان يكبح جماح نفسه الهشة بسبب...
سألني صديقي، الذي لا يُقابل في غرفتي أحدًا غيري:
– ما الذي فعلته في الأيام الماضية حينما غبتُ عنك؟
أجبته:
– كالعادة، مرّت الأيام بشكل روتيني، لكن الغريب هذه المرة أنني ما إن أضع رأسي على الوسادة، حتى تتزاحم الأحلام عندي!
صديقي هذا لا يفكّر في مقاطعتي أبدًا، اكتفى بهزّ رأسه مشجّعًا لي على متابعة...
بعدت عن الكتابة منذ فترة، شغلت كثيرا برتق ثيابي، لم تعد في خزانتي غير التي تهرأت وسرح فيها الزمن، مضت رغبتي في الألوان الزاهية تلبسها أنثى جميلة، ثوبها من قطن مشجر مطرز بالورد. أسترجع الصور الجميلة لتلك الفتاة.
خدها يحمر حين يعابثها الديك الرومي يصيح وراءها يكاد يفتك بها تغيظه الثياب الحمراء...
حين يعلّمنا الحيوان شيئًا عن أنفسنا
كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء عن كيمياء الفرح في الكائنات الحية، وقلت له إن ما يُعرف بين الناس بهرمونات السعادة والفرح والنشوة والحب وتخفيف الألم لم يُكتشف في الإنسان أولًا، بل عرف العلم كثيرًا منه عبر دراسة الحيوانات. توقّف الرجل قليلًا، ونظر إليّ بدهشة صامتة،...