سرد

كنتُ على وشك أن أخبر زوجي كل شيء، وأترك الحقيقة تندفع كما هي، غير أن جملة لنوال السعداوي باغتتني في اللحظة الأخيرة كانت تقول إن الزواج مؤسسة لا تقوم إلا على قدرٍ من الكذب المتبادل بين الطرفين، وإن الصدق المطلق كفيل بهدمها من الأساس، عندها اخترت كذبتي الصغيرة، لا خيانة للحقيقة، بل حماية لبيتي...
يُحكى ـ والله أعلم ـ أنّ قبائل الزوزو، في زمنٍ كانت فيه الشمسُ تُستشار قبل أن تشرق، كانت تُقدِّس المرآة كما يُقدَّس النبعُ الأول. لم تكن المرآة عندهم سطحًا يعكس الوجوه، بل روحًا صامتة؛ إن نظرتَ فيها رأيتَ ظلَّك لا ملامحك، لأنّ الوجه ـ كما يقول حكماؤهم ـ قد يخون، أمّا الظل فلا يكذب. وكانت نبوءةٌ...
ظنّت أن الأقدار قد ابتسمت لها أخيرًا، تلك اليتيمة التي بحثت عن "أب" في وجوه الغرباء منذ طفولتها، وقد وجدت أخيرًا ما تبحث عنه حين وقفت على عتبة ذلك البيت الريفي الواسع. استقبلها صِهرها بذراعين مفتوحتين وضحكة دافئة، قبل جبينها أمام الجميع قائلاً: هذه ابنتي التي لم أنجبها. في تلك اللحظة، شعرت أن...
هذه المرّة، سأدعوكم للنظر نحوَ الأسفل! ودونَ استغراب! انظروا! فشخصياتي في هذه القصّة هي أقدامٌ ضَخمةٌ موحِلةٌ هائِشة، تدبُّ على الأرض دباً، تدعسُ وتبعثر وتكسرُ كل شيءٍ أمَامها، فتزيدُ ألَمَ الأرضِ ألماً، وخسوفَها خسوفاً... أقدامٌ، نعم، هي مُجرّدُ أقدام، وليس لها أيّ امتدادِ آخر أو أيّ بعدٍ آخر،...
قلتُ وأنا أقف عند رأسه: لقد طالت رقدتك هذه المرة يا شيخنا. علمتُ من الطبيب أن النازلة هيّنة، خطرها بسيط، فلا تستسلم للمرض. ثم تتبّعت بعيني الوميض الصادر من الشاشاتٍ والأجهزةٍ الطبيةٍ التي تعلو رأسه. بصوتٍ واهن، ردّ الرجل: لقد نال منّي التعب فوق ما يتخيّل إنسان. سألته: ألك حاجةٌ أقضيها؟ أجابني...
بين صخب المسافرين وضجيج الحقائب التي تُجرّ على عجلاتٍ متعبة، اتسعت صالة المغادرة لكل شيء إلا لقلبين على وشك الانفطار. تعلّقت أمل بطرف معطفي. بلغت الخامسة من عمرها، خفيفة الجسد، ثقيلة التمسك. شدّت القماش الصوفي كما لو أنه باب بيتٍ يُغلق ببطء. انحنيتُ إليها، حاولتُ أن أبتسم، أن أشرح لها أن...
عادة الأهل في الجنوب، أنهم يعشقون منازلة الشمس وقت الظهيرة في أشهرِ الصيف الحارقة، لا يعرفون قيمة السَمَرْ إلّا في جوف الليل، ذلك وقت تنقطع فيه الأرجل، تغفو أعين المخبرين، غير أن الأنفس المتعبة تجد فيه راحة ما بعدها راحة. تتواصل الأرواح بهمس في البداية، ثم تُطرح بتحفّظ رسمي رؤوس موضوعات، لكن...
باغتها زمنٌ غطّته غيوم سوداء، عاشت أسيرة وجعٍ لا يشبه جمالها ولا نقاء روحها. سوادٌ ينهش أيامها ببطء، كما تنهش السيول حواف الوديان. كانت تضحك كأنّها تحاكي أمواج البحر، وتتمايل كالأغصان، تخطو كغزال مرح ، كحديقةٍ تتفتح زهورها لأول مرة. لكن قبل أن تُقطف منها قبلة أو عطر فرح، وكأن الأقدار كانت تراقب...
تلك كورونا ؟ نجيب طلال لنتذكر رغـم أن البعـض لا يريد أن يتذكر : ليست شهوة ؛ أن أسرد ما حَـدث البارحة ، بعْـدما استحضرني حنين خاص لزيارة حمام بلدي ؛ بدون تخطيط مسبق وبدون تحريض من جسدي الذي نسي أجواء وطقوس الحمام؛ أي نعم ! حمام بلدي للاستحمام ، لمعانقة حرارته وممارسة الشغب الخاص الذي لا يتوفر...
قال أمل دنقل : علمت قلبي أن يحترس .. ترى هل فلح ؟ هى محاولات ميئوس منها، بعد انكسارات القلب، الحب لا ينبت مثل نبتة برية، انما لا بد من غرسه بعناية فائقة، الميدان معتم، أوحله المطر، يكاد يخلو من المارين، لا أحد غير بائع البطاطا الذى انكمش تحت مظلة، يتقاطر منها المطر والصقيع، وطفل يلحق بأمه،...
تلك الطفلة ذات الوجه القمري طيبة القلب، تأتي كل يوم بما هو جديد؛ أسألها هل ستسبقك فتاة جماجمون؛ بلدة بجوارنا يحرز أطفالها الدرجات العليا في الاختبارات؛ تحرك رأسها بالنفي! تثير شغبا في البيت الكبير؛ تكثر من المداعبات، تحاول أن تعابث القمر، القصاصات المهملة في زوايا البيت تصنع منها ثوبا لدميتها،...
إهداء إلى أم حسين .... التي علمتنا أن الصبر يمكن أن يزهر ، حتى في المنفى . أم حسين تحب الصباحاتِ الباكرة، تلك التي تشبه وجوهَ الأطفال قبل أن تلوّثها التجارب. هي امرأةٌ تشبه شروقَ الصباح في عيونِ الأطفال؛ في صوتها دفءٌ لا يُنسى، وفي عينيها إصرارُ المعلّمةِ التي ترى في كلّ تلميذٍ وطنًا...
عقدت أمي أواصر المودة مع حمامتها البيضاء حتى غدت كفردٍ من العائلة، يربطنا بها أنسٌ لا يقطعه انقطاع. صارت تلك الروح الوديعة مستودع أسراري؛ أبثها زفرات حزني فتهدل مواساةً، وأشاركها ترانيم فرحي فترفرف ببهجةٍ تملأ الأرجاء. ما زلتُ أذكر انحناءتي عليها بالأمس، حين همستُ لها وهي تنقر كفي بخفة: أيتها...
(1) المستطيل: لا أزال، بعد سنوات في هذا البلد العربي، أتذكر كيف كانت البداية.. سألني الرجل في مكتب السفَر: كيف تشرح درسا كالمستطيل مثلا؟ تفاجأتُ حينها بمنظره. ظننتُه مصريا، لولا لهجته. شعره أسود جدا وطويل. لا يُغطي رأسه، ولا يلبس عباءة أو جلباب، بل الجينز والقميص المشجر. قمتُ واقفا أمام...
قابعة خلف تلة النسيان، هكذا نطلق عليها، فنحن نتعرف على الأمكنة بما يدور في نفوسنا، نخاف الغول أو أبو رجل مسلوخة أو حتى من العسكري الأسود، منهن لله أمهاتنا زرعن في نفوسنا الهلع من الغرباء، تمادى في الألاعيب التي برع فيها منذ سنوات لا نذكرها،لا نعلم من أين جاء وأية سفينة ألقت به على موردة الشيخ...
أعلى