سرد

قالت: لطالما طفتُ بالمقام كلما مررت به، قبل أن يتوارى عن ناظري، التفتُ إليه، أرميه بابتسامة تخرج من قلبي. ثم لوّحت بإصبعها في وجهي، أكملت: لم يرني أحد أبدًا وأنا أفعل هذا، غير أنني أحسّ كل مرة كأن النجوم ترمقني من بعيد، تتغامز، لا تنسى أن تلمزني بأشعتها، ترسلها وتلسعني برودتها، أفيق لنفسي. ثم…...
كان شديد العناية بهندامه، واثقاً في خطواته، منعزلاً في مجلسه، يحيط به الغموض، لا يدري أحدٌ أين يسكن ويقيم في دوائر باريس العشرين، لكنه كان يغشى مقاهي معدودة قريبة من المدينة الجامعية، يلمّ فيها ببعض أخبار "عالمنا الثالث"، كما كان يطلق عليه، وكان غالباً ما يحمل صحفاً ومجلّات يسارية نحو...
حين انكسرت المرآة، لم يستيقظ "آدم" بسبب الصمت في ذلك الصباح، بل بعدما أفزعه الفراغ. اعتاد آدم، الذي يعيش نصف يومه خلف الشاشات ونصفه الآخر داخلها، أن يفتح عينيه على وهج الهاتف. كرر طقوسه المقدسة: جولة في غابة "فيسبوك" لمعرفة من سافر ومن عاد، من تزوج ومن رُزق بمولود، غوص سريع في محرك "جوجل" بحثًا...
"لا بيخاف ولا بيختشي" هكذا حسم " جابر " خفير المبنى الحكومي الأمر، أصدر حكمَه بصورةٍ قاطعة، قال ذلك وهو يعلم جيدًا أننا لن نراجعه في مقولتِه، وإلّا ما جئناه نطلبُ رأيه في "أيمن سلَّام" زميلِنا في العمل منذ فترةٍ بعيدة. لقد قابلت " أيمن" قبل أربعين عامًا على سلالم مبنى قبة الجامعة؛ بهيئته...
حنظلة يعاني من قلة الاهتمام والتجاهل من قبل زميلاته في الجامعة، لذا مر على المشعوذ فريج أبو الفرج وشرح له حاجته، فرسم فريج طلسما على ورقة، تفل فيها سبع مرات، وقدمها لحنظلة قائلا: انقعه في الماء لسبعة ايام وسبع ساعات وسبع ثواني ثم اشربه ..وبعدها انقعه لسبع دقائق في طشت كبير واغتسل، ثم جفف الورقة...
أنظري هناك كم هي جميلة هذه المراة؟ لقد فاق جمالها الوصف!! يا إلهي أنظري الى دمامة من تصحبه إنه رجل قبيح لايمكن ان يأتي على قلامة من أظافرها!!؟ هدئي من نفسك سوسن! ما بك؟ ما الذي جرى لك و تتحدثين بهذا الأسلوب؟! ما لك والآخرين ما جئنا إلا لنقضي وقتا معا بعد غيبة طويلة ألح الزمن أن يصفع ذاكرتنا...
حيث أني لاحظت بأني بت محظوظا، على نحو مفاجيء، كل شيء يسير معي على خير ما يرام، بل وأكثر من هذا أفاجأ باستمرار ويوما بعد يوم، بأمرٍ سارٍّ لم يكن متوقعا، وكل ذلك بتخطيط إلهي، جعلني في حالة من التحليق، كما لو كنت طيفا، لدرجة أني تذكرت القول المأثور الذي عادة ما يوصف به المحظوظ بالقول "أنه لو قبض...
في ذلك الركن الهادئ من البيت، حيث تتراصّ المجلدات الصفراء، جلس الشيخ منصور بمسبحته التي لا تهدأ. لم يكن رجلاً غليظاً بالفطرة، بل رأى نفسه "حارساً للعقيدة" في زمنٍ يراه متفلتًا. نظر إلى ابنته إيمان، الملتفّة بخمارها، وقال بصوتٍ يحمل وقار الخوف عليها لا التسلط: "يا بنية، المسافات الآمنة تحفظ...
لا أدري ما الذي دهمني الليلة الماضية؛ طريق طويل غير أنه مسيج بهؤلاء الذين يسدون عين الشمس، لم أرتكب في حياتي ما يشي بأنني من هؤلاء الغوغاء الذين يبحثون عن رغيف خبز يملأ بطونهم، أعترف بأنني لا أمتلك حسابا مصرفيا، ليس لدي تطلع لأن أكون أحد الوجهاء، تفقدت حذائي فلم أجده؛ ترى هل سرق؟ يتكرر ضياعه كل...
في السابع عشر من تموز/ يوليو، عام ألفٍ وثمانمائةٍ وثلاثةٍ وثمانين، في الثانية والنصف صباحًا، استيقظ حارسُ مقبرةِ بيسيرز، الذي كان يعيش في كوخ صغير يقع على حافة حقل الموتى ذاك، على نباحِ كلبِه الذي كان حبيسًا في المطبخ. نزل بسرعةٍ ورأى الحيوان يتشمَّم الشّق الذي في الباب وينبح بشراسةٍ كما لو أن...
ها أنت تقف قرب النافذة، كأنك حجرٌ ثابت في غرفة يلتفّ حولها الزمن. المطر يهطل بلا هوادة، يطرق الزجاج كمن يريد أن يُوقظك من غفلةٍ طويلة. الهواء بارد، والسماء ملبدة، وكل ما في الخارج يبدو كلوحة رسمها فنان متعب. في الداخل، المكتبة العتيقة تئنّ تحت ثقل كتبٍ ما عادت تُقرأ، بعضها مفتوحٌ على صفحات...
بين أروقة الذاكرة المنهكة، وفي عتمة صالون لم تزرْه الشمس إلا قليلاً، جلس "يحيى" يرقبُ عقارب الساعة وهي تلتهم ما تبقى من هدوء المساء. لم يكن ينتظر زوجته "سارة" ليتناول معها العشاء، بل كان ينتظر "بقايا إنسانة" يلفظها مبنى الزجاج والرخام في وسط المدينة كل ليلة. يتذكر يحيى تلك الليلة التي ارتجف فيها...
تحت الأضواء البنفسجية للشارع الرئيس، انعكست أشباح المدينة على زجاج السيارة الفيراري السوداء. داخل المقود المُطَعَّم بجلد الظبي، انقبضت أصابع ياسين وانبسطت بإيقاع عصبي. لم يلمح انعكاس وجهه النحيل على الزجاج الداكن، بل رأى أشباحًا أخرى: شبح الفتى ذي الستة عشر ربيعًا وهو يلف التبغ في أوراق الجرائد...
بعد جولةِ تسوّقٍ فشلتُ في شراء أيّ شيءٍ فيها، استوقفتني رائحةُ القهوة المنبعثة من أحد المقاهي، فأيقظت فيَّ إحساسًا لذيذًا ورغبةً عارمة في احتساءِ فنجانٍ من الإسبريسو مع سيجارة قبل استئناف الجولة مرةً أخرى. تجاوزتُ عتبة المقهى لأشعر بخيبة أمل، وأنا أرى طاولاته مشغولة جميعها، وقبل أن أستدير للخروج...
هل نسي؟ أعود إلى السؤال نفسه، لا لأنه ملحّ، بل لأنه يرفض أن يغادرني. أكرّره كما تُكرَّر الصلاة حين لا يكون الإيمان يقينًا، بل رجاءً خائفًا. هل يمكن لرجلٍ أن ينسى حبَّه الأوّل حقًّا؟ أن ينسى تلك اللمسة الأولى التي لا تشبه أي لمسة بعدها، اللمسة التي لا تعرف الجسد بعد، لكنها تُشعل القلب دفعة...
أعلى