سرد

كانت الأصوات تخفت وتعلو، بين همس يختلط مع الأنفاس وصياح تصطكّ له الآذان.تتراوح بين عربية مفهومة، ونوبية يتبين المرء حروفها ولا يفهم معناها. الوجوه سمراء وسيمة، والثياب جلاليب بيضاء وملاحف صوفية تميل إلى اللون البني. شدني هذا التناغم والتباين بين الألوان، في الوجوه وفي الثياب. ركبنا في المقدمة...
هذا الصباح الباكر حزين لأنه لم يسمع خطوات السيدة خدوج . في اليوم الأخير من كل شهر كانت تستيقظ باكرا، هي تعلم أن مركز البريد لن يفتح بابه الآن ، لكن عليها أن تقيم طقوسها. تمشط شعرها الذي لم تعد تمشطه إلا في نهاية كل شهر، لا زال - رغم أنه أصبح خفيفا - أسود اللون جميلا، تكحل عينيها البنيتين...
عند كتابة رواية لابد من : أولاً إيجاد الفكرة : وهذا الأمر وإن كان قلب الرواية فإنه لا يمثل صعوبة في إيجادها بالنسبة للروائي الهاوي ويشاركه في هذا الشأن بالطبع الروائي المحترف . ثانيًا عناصر الفكرة : وضع العناصر قد يستغرق شهورًا ، وهي تتكون من عدة تحديدات مثل الأزمنة والأماكن والشخصيات الرئيسة...
عندما عُيّنْتُ طبيباً مندوباً إلى السجن لثلاثة أشهر اعتبرْتُها نوعاً من العقوبة الوظيفيّة .. وطرقت باب السجن كارهاً وفُتح لي ودخلت من بابٍ إلى باب ومن دهليزٍ إلى سرداب ، وأقفلوا خلفي بالحديد ونفسي تغصّ كأنها تغوص من دركٍ إلى أعمق. وصحيحٌ أنّ هنالك مكتباً لي يسمّونه مستوصفاً للسجن لكنّ نوافذه...
الشمس مسدس عملاق بيد الرب. رائحة الرصاص تغزو العالم . الصيف في قريتنا مجنون يتعاطى الماريخوانا ويقذف المارة بالحجارة . بيت حقير مزعج يقع في أقصى المدينة أ كان جسد ب مليئا بفهود الشهوة. عيناه تتدحرجان مثل كرتي نار موقدة باتجاه عضوه الذكري متحسسا هذه الكتلة المنتصبة مثل أفعى المامبا التي إكتشفها...
لكل من يناضل ضد مرض السرطان اهدي هذا النص أكان قدرها سينحو بشكل مختلف لو أنها كتبت جملتها الاخيرة بضمون مغاير؟ و هل كان الغلاف الاخضر لدفترها و المكسر لإيقاع اللون الوردي الذي اختاره كل الاطفال تميزا اعتمده الموت إشارة للتعرف عليها؟ ثم من أين لهذا الإبهام المتمرد على التفسيرات كل هذه القدرة...
وارتمى المفكر العظيم في لجة اليأس ، هكذا لم يجد سوى أن يسدد لكمات واهنة لشاب قليل ‏الأدب. تحرشت به المرأة ، كانت تنظر إليه بسخرية ، ملابسه وهيئته بصفة عامة أثارت ‏سخريتها ، ثم جرت كم صديقها الشاب وهمست بصوت جعلته مسموعاً ، (مجنون.. من أين ‏تأتنا هذه الأشكال؟).. الشاب تجنب اللكمة بسهولة وبدأ في...
نظر إلى جبال التاكا، فبدت له للوهلة الأولى وكأنها ذوب الصخور، صهرتها السماء وأراقتها! أحسَ بطعم آخر مختلف لتلك الدنيا طعم لم يألفه في أيَ من بقاع السودان الأخرى التي يعرفها و يألفها في مديرية دنقلة وفي ديار البقارة، في سهول كردفان ودارفور، ومرابع الجزيرة. الوجوه مختلفة.. ثم الأزياء، كانت تضفي...
دعاهم الليلة الى البيت بشكل مفاجىء ، وأصر أن يحضر جميعهم في الميعاد . لم يعتادوا على مثل هذه الدعوات المفاجئة ، انتظروا حلول المساء بفارغ الصبر لمعرفة سر هذه الدعوة غير العادية . مع حلول المساء توافد الواحد تلو الآخر ، وانتظروه في غرفة الاستقبال . أما هو فكان يجلس في غرفته طالباً عدم إزعاجه ،...
– جعفر الديري تأمَّل الفاتح العظيم في عقدة الحبل غريبة الشكل، ثمَّ أدار عينيه في سدنة المعبد، فوجدهم جميعا خاشعين، خافضين أعينهم للأرض. كانت أجسامهم قويَّة، بفعل الأكل الطيب والشراب المنعش، بعكس أولائك الذين شاهدهم في الخارج، ضامري الوجوه، نحيلي الأجسام، بسبب الجوع والمرض، عاجزين عن الوقوف...
على مشارف بوابة محطة سيارات الأجرة الكبيرة، بالجهة المعاكسة لأشعة شمس ذاك الصباح الربيعي، حيث كنت مقبلا على الذهاب لزيارة أحد الأقارب، التقيته و قد افترش ورقا كارتونيا، اقتربت منه، أشاح بيديه عن وجه الشاحب، تملل ذات اليسار و ذات اليمين، اعتلته ابتسامة محمومة و قال " آه أستاذ، توحشتك، هانا رجعت،...
أوصدت باب الحجرة جيدا بعد دخل ، تقدمت نحوه بضع خطوات في ثقة و رشد ، و عيناها في مستوى كتفيه ، شفتاها تتضلمان ، ووجنتان كامدتان ممتلئتان ، ملامح جرئية ، و صوت حاد و برود بريطاني عجيب ، هكذا بدت قبل أن تحدثه . لم أعد أنفعك يا سعد ! تلاشت كل المعاني بداخله ، لم يصدق ما سمع ...ماذا قلت ؟! لم اعد...
ندت عني صرخة أعدت إليها رشدها بضربة سبابة حين رأيت الصورتين اللتين بعث لي بهما صديقي وقد التقطهما لي على حين غفلة مني وأنا أشارك في ملتقى ثقافي بنصين سرديين. يا رب! أهذا أنا؟ لا يمكن، كيف أكون أنا وأنا أراني ببقع جرداء كملاعب منسية على رأسي المنشغل بهموم العالم. بقع تتحرك ببطء لكن بثبات لتلتقي...
دأب على الاعتقاد بأن هناك ثمة أشياء شاذة، وغير طبيعية، لا تتفق مع المنطق الصارم الذي يحسم كثيرًا من الأمور فى هذا العالم، أشياء لم يألفها من قبل، بات يستشعرها الآن دون أن يراها رؤية مؤكدة، لها قوة وسطوع الحقيقة، ارتعاشات جسده الكثيرة والمتلاحقة فى بعض النهارات والليالي، ارتعاش الأسِّرة والمقاعد،...
في الوقت المحدد ذهبت.. ركبت السيارة .. وبيدي صحيفتي المفضلة .. ألقيت نظرة سريعة فوق الوجوه الناعسة داخل السيارة .. والعيون التي لم تزل تقاوم النوم , ارتخيت فوق الكرسي .. السائق ينادي على نفر واحد ــ فرد واحد .. فرد واحد .. نفر , نفر , الميدان يعج بالمشاة .. علي بعد مائة متر .. غرزة شاي صغيرة ...
أعلى