غادرته الزوجة التى لم تكن تشكو مرضا، بعد خروجه على المعاش بستة أشهر، أصبح نهبا للوحدة، بعد أن كانت كل شىء فى حياته، الأولاد كل منهم له حياته وأسرته، تكفيهم هموم العيش، البعض أشار عليه بالزواج بعد رحيل الزوجة، لكنه رفض، لديه الأولاد يعيش بهم ولهم، أصغر الأبناء يعيش معه فى آخر تعليمه الجامعى، صارح...
– 1 –
“الواد زرافة الحنجور” هكذا تلقينا اسمه، وتداولناه ، نحن صبيان القرية المنبسطة كبقعة صدأ تتوسط خضرة الغيطان، دون أن نسأل عن سبب هذه التسمية الفريدة في قريتنا. كان يملك قامة رجل، غير أنه يتماوج ويترنح في مشيته مثل زرافة، وفيما بعد قال لنا الشيخ درويش فقيه الكُتاب : إن الواد زرافة مثل زرافة...
كانت المعلمة نيبوث توأمة، رقيقة القلب ،فائقة الجمال، بشامة صغيرة حلوة تنتصب بزهوٍ، في الجزء الأسفل من خدها الأيسر، تزيد محياها فتنة، أما صوتها ففيه شيء خبيء من السحر، ما إن نسمعه حتى يدغدغنا إحساس مجنون يبعث على الخدر، لكأنما هب علينا في الفصل موجة من نسيم عليل.. لم أنس مرة، كان القدر قد مَنَّ...
هذا الرجل الذي يعاني شظف العيش ، يكدح لسد عشرة أفواه ، سرق عقلي الصغير ولم أكن قد أتممت السادسة من عمري ، حين يردفني خلفه على الحمار ، فكانت الرحلة من البيت للحقل مزروعة بعلامات استفهام تكاد تقتلع عقلي الصغير من موضعه ، فكلما مر بنا رجل أمسك برأس الحمار متوسلا باكيا : ادع لي يا عم الشيخ ،...
رغم أن تلك القصة قد حدثت قبل أكثر من عشرين عاما إلا أنني كلما أتذكرها أضحك ، وما قصصتها لأحد حتى ضحك ، أحيانا أتذكرها وأنا في الطريق لوحدي فأضحك وأظل أتلفت لأرى هل يراني أحد أضحك لوحدي في الطريق ؟
أكيد سيقولون أنني مجنون .
صرت مؤخرا كلما تذكرت هذه القصة وكنت لوحدي أحاول منع نفسي من الضحك حتى لا...
تميل الشمس للمغيب ، تتعانق مع الأفق ملقيةً ما تيسّر من شعاعها على الابنية العتيقة حيث تخفت حركة السابلة وتفارق الشوارع مرتاديها مودعةً اياهم حتى نهار يومٍ جديد لتستقبل مرتادين من نوع خاص متخذين من الهامش حصنا يلوذون به ومن الليل عالم يعيشون فيه . هناك من بين الظِلال والعُتمة يطلّ المتشرّد ، يجرّ...
راحَ يطوي خطواته المُثقلة تحت قطراتِ الطّلِّ ، تعوّدَ الخروج في هاتهِ السّاعة المتأخرة من اللّيلِ ، يقضي ساعات طوال بجوارِ " الغفر" في الخُصِّ ، هناك على مشارفِ القريةِ ،حيثُ نوبات حراستهم، لا يعود من مكمنهِ ، إلا مع غَبشِ الفجرِ ، لا يَملّ من النّظرِ إلى البنادقِ المُعلّقة في جذعِ الصفصافةِ...
تستقبل الصباح ببسمة حانية، تشكر الشمس على صبغة بشرتها بلون الذهب، ناضرة كالفاكهة ليس ذلك ماشده نحوها، لكنه ذلك الكتاب المتوحدة معه فى إستغراق تام، لدرجة انها لا ترى الأطفال الذين يتقافزون حولها، مدهوشا أمام تلك الحسناء التى تقرأ فى رواية من تأليفه، آية مصادفة القت بها جواره، إنها القارئة الوحيدة...
لم تكن الحرارة الشديدة ولا وهج الشمس الذي اخترق رأسي هما السبب فقط ولكن الارهاق أيضًا، بعد أن مشيت حوالي ثلاثة كيلومترات والنصف على قدمي وهي المسافة بين المدرسة ودارنا، تستغرق هذه المسافة بالخطوة السريعة حوالي نصف ساعة أما إن كنت مثلي نحيف البدن رهيف القلب ومعتل الصحة فستقطعها في ثلاث ساعات على...
تأنقت في ثيابها وضعت عطرها النفاذ، وقفت قبالة المرآة، خطت خطوة أو خطوتين، تمايلت يمينا ويسارا، وضعت يدها على خصرها النحيل، داعب هواء النافذة خصلات شعرها الأصفر، تخلصت من بعض شحوب في وجهها؛ وضعت بعضا من مسحوق مرطب، إنه ينتظرها، دارت بها الفرحة في أرجاء الغرفة، آن لها أن تغادر ذلك البيت متخلصة من...
قال فيها ماقاله العقاد لحبيبته الأديبة مى زيادة : ماذا فى الدنيا لعمرى أريد / أنت هى الدنيا فهل من مزيد
آدم باع خلده من أجل حواء، فهل يبخل بحبه لها وهى الجميلة التى لا تخطئها العين، أحبها بحجم الكون الحياة تبدأ وتنتهى عندها، لا يدرى أنها لا تبادله الحب وإنما تتسلى من باب تذكية الوقت من جهة...
-كلّما فتحْتُ حواراً ، أجد بيني وبينكَ فجوةً لا يُمكن تجاوزها .
قالت ذلك ببعض التنهّد والتأفف.
وأجاب ساخراً :
-أفّ ، لا يمكن تجاوزها !.. هل هي هوّة سحيقة لهذه الدرجة ؟
أطرقَتْ أرضاً ، وآثرَتْ ألا تتابع الشّرح بما يخصّ التناقض في المستوى الثقافي بينها وبينه كي لا تجرحه ، إذ طالما ارتضت به...
هالني هيكلة المهول، يوم تحدى الرقيب بركات، ورفع برميل الماء فوق رأسه كجرة صغيرة. مدهشة قوته تلك، التي كانت سببًا في شهرته بين أفراد الكتيبة، لأن فواز اعتاد، بدافع من شهامته، أن يجر المدافع التي نعجز عن زحزحتها في الرمل الناعم أثناء التدريب.
كان عرقه ينضح تحت الشمس المختالة بسطوتها، ويبتسم،...
عبر أشرطة القضبان التي تلمع في المدى، تتحرك الأجسام بظلال شبحية، تتصادم في الضوء الشحيح الناشع من أعمدة الفلورسنت التي تطل من الخارج، وحول فوانيس هذه الأعمدة، تتماوج في علو، دفعات البخار الكثيف، شتوية وباردة، وتضيع في سماء داكنة بلا نجوم.
ثمة أصوات تزعق، وتنادي بأسماء، نبرات بعضها واضح، وبعضها...
سحبتني السيدة من يدي لتدفع عني الحرج، وعبرت بي الطرقة الضيقة، وهي تتفادى بمهارة الاصطدام بأثاث البيت الصغير، تفعل ذلك كامرأة علقت سنواتها بسخاء على جدران هذا البيت.
أشعر بيدها ترتجف، أصابع ممتلئة خشنة، تليق بربة بيت. في الحجرة ضوء خفيف يتسرب من خصاص الشيش المغلق، ورائحة لم أميزها أبداً...