الساعة الثانية من اليوم الثالث عشر من ديسمبر في العقد الثاني من المائة الأولى من الألفية الثالثة، ولأنه قادم من غياهب التاريخ، ليس من بعيد تماما ،إنه قد سلم لتوه مفاتيح غرناطة، لقد حمل كل أوزار آبائه وأعمامه،لقد زفر هناك حيث وجد بقايا سفن طارق، لا يهم فبنو الأحمر ما يزالون يمضغون القات، يتدثرون...
1
ثمة مواقف تُلمّح بها الحياة قبل أن تُصرّح.
تأتينا مجرّد ومضات ،وليس شرطا أن تعنينا؛ لهذا رُبما تستوقفنا قليلاً أو لا تستوقفنا !
وبعدما تمرّ سنجد أن الأيام شيئا فشيئا تكشف لنا أنها كانت بدايات حكايا تفوق تخيّلنا.
وهذا ماشعرت به " فاطمة الزهراء"حين توقفت بعدما ركنت سيارتها بالشارع الجانبي...
الفصل الأول: أنياب الصمت...
قعدنا على المرج الكبير، كُلٌّ على حافة صمتِه.
الأرض منبسطة كلوحٍ أخضر، لكن قلوبنا مليئة بالحفر. الريح تمرّ خفيفة، تحمل معها غبار السنين، وكأنها تهمس بما لا نجرؤ على قوله.
أنيابُنا بارزة، لا للقتل بل للدفاع. خطواتُنا مطويّة في العدم، كأننا عالقون في منتصف طريق لم...
في المساء الذي سبق الجنازة، وقف عمر أمام واجهة محل الصائغ. كان المحل مغلقًا. رأى وجهه في الزجاج، شاحباً كأنه لشخص آخر. عاد إلى بيته، وفي جيبه لفافتان: واحدة من ورق خشن، لف العم شاكر فيها تمرًا قبل موته بأسبوع، والأخرى من قماش، كتبت عليها ليلى ذات مساء: "لن أنتظر أكثر من عام".
في صباح اليوم...
أضع يدي على جدار المدينة،
أشعر بكل خطوطه، كل نتوءه، كل أثر الزمن الذي مرّ عليه.
كأن أصابعي تستطيع قراءة تاريخ المكان،
كما لو أن كل حجر يحكي لي قصة لم تُحك بعد.
أمسك بالحائط، أتنقل بين النتوءات،
وأرى في كل لمسة لحظة لنا،
ضحكة في زاوية، نظرة في شارع، صمت في ركنٍ مهجور.
المدينة ليست مجرد خرائط أو...
ها هو عوده القديم مهملٌ في ركنٍ متربٍ، قد اهترأ جرابه، وظهرت أوتاره المرتخية، ولا يدري على وجه اليقين هل ارتخت بعد غيابكِ أم بعد أن أصاب المرض يده؛ فصار عاجزًا عن العزف..
أتذكرين جلستكما المتكرّرة على تلك الأريكة وأنامله وريشته تداعبان الأوتار، وما إن تشرب أذناكِ اللَّحنن وتنسجمين؛ حتّى تصيحي...
اللوحة الأولى الشيخ.. الرضيع
الشيخ: لا تقل شيئاً قط. رضيعى لا تقل شيئاً عما رأيت. أدرك أنك رأيت. لا تنطق بما رأيت. لا تهمس به. لا تعرى لسانك لأحد منهم.. احذرهم احذر القول لهم.. لا تقصص تلك الرؤيا عليهم، لا تصف لهم تلك الشمس.. هى تضحك تهوى عليك.. لا تصف ذلك القمر، هو يغمرك، نوره يتدفق فيك...
الحلقة الاولى
مدة الحمل البالغة تسعة أشهر،تساوت تماما مع عمر اندلاع انتفاضة الاقصى،فَوُلِدَ للأب ياسين صلاحات " أبو اياد " القاطن على الطرف الغربي لحارة "الحواشين" في قلب مخيّم جنين مولوده الذكر الرابع،السادس وقبل الاخير في مجموع الابناء والبنات،فكان الميلاد في شهر حزيران،شهر الصيف الاول الاكثر...
هطلَ المطرُ بغزارةٍ على غير عادته في مثل هذا الوقت.. لم أكن أحمل معي المظلة، فدخلت أوَّل مقهى صادفته عند ناصية الشارع اتقاءً للبللِ وللريحِ التي بعثرتْ كلَّ شيء دون رحمة، اخترتُ الجلوس قرب النافذة ليتسنَّى لي مراقبة حبَّات المطر وهي تمتزج مع أوراق الشجر، والأغصان المتشابكة لترتمي بعدها في حضن...
أعترف أنني رجل لا مكان له تحت الشمس، يسرني أن أنسحب وليهنأ الشعراء ما أبدعوا في شعرهم، وليأخذوا النقد معهم، وإن شاءوا فليثلثوا بالسرد؛ فنحن في زمن بات كل امريء يدعي ما يشاء، وهل على الكلام من حساب؟
جهدت ما وسعتني الطاقة أن أقدم جديدا، فأبى من وهب كل الشعر وكل النثر بل كل النقد أن يدع لنا فرجة...
تنفست المريوطية في ذلك المساء بصعوبة. الترعة راكدة، يغطي سطحها غشاء أخضر يشبه ذاكرة لم تعد قادرة على النسيان، وعلى الضفة تنتصب نخيلات متعبة، تتكئ على الريح كعجائز يرفضن السقوط.
جلس "عادل" خلف مقود سيارته البيجو القديمة، يراقب انعكاس عينيه في المرآة. لم يعد يميز إن كان التعب قد حفرهما أم أن الشك...
آدم الهاشمي…
اسمٌ يتردّد في أفواه العالم
كما يتردّد الصدى في قلب الجبال.
تعرفه المدن،
وتهمس به العواصم،
وترتجف لوقعه نشرات الأخبار.
ليس مجردَ رئيس دولةٍ عظمى
تمدّ ظلّها على نصف الأرض،
بل رجلٌ
يكفي أن يُنطَق اسمُه
لتختلّ دقّات القلوب،
وتميلَ موازين المصائر.
لكن…
هل يصدّق أحدٌ
أن هذا الاسم...
ثمة إعلان في صحيفة يومية مزينة بصدور عارية وبخواصر تتثنى، بها أخبار عن صفقات هنا ومذابح تجري في بلاد أخرى، تعرفون أنني لا أشتري تلك الأوراق التي تمتليء بالوشاية والنميمة، إنها تهتم بعالم الأزياء وأدوات الزينة وقد تكتب عن الفن وسقطاته، يحلو لي أن أصفها بالمرأة الناشز عن بيت الطاعة، يراها كثيرون...
يقولون أن الانسانَ أحياناً يكون له نصيب من إسمه...هذا عرفته في أمير،الذي ولد وتربى بين كفيّن،كفُّ الايمان،وكفُّ الكبرياء،ونهَلَ َمن ثقافتين،ثقافة الدين وثقافة الوطن،ووعى من مصدرين، الكتاب،وما يراه بصره،وتسمعه اذنه،ويختزنه وعيّه الغَضُ من أفعال الغاصبين...يكبر معه،ويوازي سيره في مراحل الطفولة...
لم تدر “سيدة” أن أبواب السماء مشرعة للمساكين، وأن أيادي المحسنين مأمورة بتأدية نصيبها لنجدة أمثالها، مات “عبدالكريم” وترك لها قبضة من اللحم، وحياة مثقلة بالفقر، وتلك تركة المجهد، عاش زوجها أجيرا ؛ لقمته في ظل فأسه، وهكذا عاش أسلافه في هزال، قنعوا من دنياهم بشربة ماء، وكسرة خبز، وكومة من طين وقش...