سرد

في زمن مضى كانت الحيل تفوق التصور وتغلب المحال؛ الآن كل هذه الأشياء صارت من الأساطير؛ كثيرا ما كنت أحلم بأنني بلا حذاء؛ ساعتها أضرب أخماسا في أسداس من تراه سرقه؟ لم أجد تفسيرا لهذا الحلم العجيب، تكرر مرة ومرة وجدتني حين أصحو أتحسسه، لا أطمئن حتى تتحرك أصابع قدمي فيه؛ ساعتها أشعر بالأمان، أشد ما...
سمعت فاطمة طرقا على الباب.. سألت من المطبخ: ـ من؟! لم تسمع مجيبا.. مسحت يديها بالمنشفة، وعبرت الممر بسرعة.. فتحت على حشد من الشباب.. قدم التحية شخص خمسيني يرتدي بدلة وربطة عنق، وكأنه معروض لحفل عرس.. ردت التحية بارتباك، وطلبت لحظة.. عادت إلى الداخل.. غطت رأسها بمنديل أبيض.. فتحت الباب مرة...
في النادي، جلست الطفلة كطردٍ بريدي بانتظار الفحص. لم تنظر إلى الألعاب البلاستيكية المتهالكة حولها، بل راقبت انعكاس وجهها في مرآة حقيبة يد أمها الصغيرة. الأم، التي ترتدي ثيابًا أنيقة لا تليق بمعلمة لغات في مدرسة دولية فحسب، بل بسيدة أعمال، لم تنظر إلى الطفلة؛ تحركت أصابعها بآلية مدهشة على شاشة...
في حي "الشرفاء"، حيث تتدلى الأسلاك الكهربائية كشرايين منهكة على جدران الطين، اعتُمد الصمت لغةً رسمية. هناك، خلف ستائر مهترئة، شُيدت البيوت من الكتمان والسرية. في مستشفى "الرحمة"، تعتصر سوزان يد أمها بقوة تشبه التشبث بحافة الحياة. تتقلب على سرير الولادة كأنها تحاول الهروب من جسدها نفسه. همست الأم...
الفصل الثاني: ورقٌ لا يحترق طارت الورقة، ارتجفت في الهواء مثل طائر مكسور الجناح، ثم علِقت بين غصنين جافّين عند طرف المرج. مددت يدي لألتقطها، لكن الرجل سبقني بعينيه فقط. عيناه لم تتحركا، ومع ذلك شعرت أنه يجرني نحوه بلا خيط، كأن نظراته وحدها تصادر إرادتي. قلت همسًا: ــ كيف وصلت إليك؟ ابتسم،...
أبحث عن اسمي في قائمة الموتى، فثمة نعاة مطلع كل شمس ينادون على راحل، أخاف أن يفترسني هذا الغول؛ صدقوني أنتعل حذائي، أحضر بطاقة هويتي الممغنطة، أرتدي ثيابا رسمية؛ ربما أقابل أحد المسئولين، زوجتي هي الأخرى نسيت عطورها، ﻻ تشتري أدوات زينة مثلما تفعل ياقي النسوة ف المدينة المتخمة بداء النزق، لا تكف...
يقولون إن الإلهام ابنُ الليل. أما أنا، فأعرفه ككائنٍ نهاريّ، يفتح عينيه مع الشمس، ويكتب على جدار الضوء أولى كلماته. لكنني، بدافع الفضول وربما الشك، قرّرتُ أن أختبر الليل. أعددتُ الشاي الذي لا أحبّه، ثم القهوة التي أعرف أنها ستؤجل نومي، ثم كوب نعناعٍ مغلي كأنني أستدعي روحًا متمنّعة. جلستُ أمام...
في ذلك المساء الذي لم يكن مساءً حقاً، بل بقايا زمنٍ أضاع اسمه في الطريق، كنت أجلس عند حافة العالم، حيث لا شيء واضح، ولا شيء مكتمل، حيث تختلط الأزمنة كما تختلط الذكريات في رأس رجلٍ لم يعد يعرف إن كان يتذكر أم يحلم. كانت المدينة صامتة بطريقةٍ مريبة، كأنها تعرف شيئاً ولا تريد أن تخبر أحداً...
نظر إلى الساعة؛ فأحس أنه لا يزال لديه بعض الوقت لترتيب الفوضى قبل الانطلاق. وقف أمام المرآة، يربط رابطة عنقه بدقة جراح يغلق جرحًا لمريض السكري. لم يجد خلف انعكاس وجهه المتعب سوى "المعاناة". التفت إليها، رآها لا تزال تلتحف ببقايا النعاس، ألقى التحية الصباحية ثم مضى. لم يعلم أن الأبواب التي...
شكت زوجته بعد وجبة غداء متقشفة من سوء الحال، وأنه لا يوجد في البيت مليمًا واحدًا، حتى إن أولادهما في الصباح لن يذهبوا إلى مدارسهم، وابنهما عطية لن يذهب إلى جامعته. من أين لهم النقود، وقد تأخر راتب والدهم هذا الشهر؟ قال لها ليس من الضرورة أن يذهب الأولاد إلى مدارسهم ومعهم مصاريفهم، هي ساعات قليلة...
جاء السبت مرة أخرى، فاتسعت جراح النفس. قتلت الوقت في المقهى مع الآخرين، وحان المساء فحثت خطاك باتجاه العمارة. وددت لو يستبقيك أحدهم لتمضوا الليل مع سهرة التلفزة. لاأحد ألقى إليك بكلمة تحول بينك وبين إقفار شقتك. وفي الطريق اشتريت علبة سجائر وثلاث شمعات. صعدت الدرجات كأعمى، وتمهلت أمام الباب...
صار الصمت، في ردهات المنزل، أثقل من الجبال. أربعة أشهر و"عماد" يسير بجانبي كغريب، جسده حاضر وروحه غائبة خلف جدار من الجليد. أعلم أنني أنا من وضع اللبنة الأولى في هذا الجدار؛ تلك اللحظة التي خارت قواي فيها خلف شاشة "الماسنجر"، حيث تملكني ضعف لحظي في محادثة مرئية لا تشبهني في شيء. اليوم، تحطم...
السواد يملأ المدينة. دخان كثيف، عجيب! يتمدد ببطءٍ، يلوث الحلق ويترك في الفم طعم رمادٍ محترق. يتسلل إلى الأزقة، يعبر النوافذ، يتسلق الشرفات. الناس يسعلون. رجل عند ناصية الشارع يتكئ على الحائط. صدره يعلو ويهبط بعنف. عيناه حمراوان دامعتان، تحدقان في الفراغ. حاول أن يقول شيئًا. تحركت شفتاه بلا...
وصلنا، نحن الدفعة الجديدة من الخريجين إلى لواء الرابع ح ج عند السادسة صباحا. الشاحنات العسكرية مصطفة على جانب الساحة الترابية. نزلنا واحدا تلو الآخر نحمل حقائب صغيرة وأوراق تبليغ مطوية في الجيب. في صباح مغبر لا يختلف عن وجوه الجنود الواقفين عند بوابة النظام كنا نحمل شهادات تخرجنا لكننا اكتشفنا...
في زاوية منسية من الحياة، تعيش فتاة شابة حملت من الحب ما لم يُعترف به، وأنجبت من الصمت ثلاثة أطفال، كلٌّ منهم ظلٌّ من ظلّها. أكبرهم، لم يبلغ الثانية عشرة بعد، لكنه اختار أن يلوذ بالمعبد، يرتدي الرداء البرتقالي، ويصمت. لم يكن هروبًا من العالم، بل بحثًا عن مكان لا يُسأل فيه عن نسبه. أما الطفلان...
أعلى