سرد

(جزء 3) محمد عبد الهادي فاجأني ما عرفته مصادفة عن الأحداث التي تدور في الشركة التي يعمل بها والدي، قابلني "الأسطى" حسين خلال إحدى جولاتي وأخذ يسرد لي في ضيق بالغ ما يواجهونه، كنت أعرف "الأسطى" حسين منذ الصغر وأعرف عصبيته الشديدة فحاولت أن أطمئنه رغم مفاجأتي بالأمر، حرصت على العودة إلى البيت...
أذكر جيدا حصون النمل في حقلنا الأخضر، بجانب كل نبتة (تالما) جبل بركاني الشكل، شيدته نملات صغيرات، تخرج وتدخل في فوهته حاملة حبات قمح أو شعير تفوقها حجما، سرقتها جهارا نهارا من حقل أبي، لم يكن ذلك يزعجني ، بل كنت أساعدها، فاقطف لها من السنابل حباتها، وأضعها أمام بيتها، واستمتع بمراقبتها وهي...
جلس جواري فى القطار كهل أبيض الشعر نحيل القامة، تجري فى صفحة وجهه بعض حيوية، إرتسمت بشفتيه إبتسامة مقتضبة، أخرج من حقيبته الجلدية الصغيرة أجندة وقلم، كتب سطرا إلتقطته عيناي فضولا، يمكنني الإعتذار عنه، لا أنكر هنا أن السطر الذى قرأته، هدهد روحي الموشكة على مغادرة جسدي، كتب فيه : حتى الحشرة...
بعد ربع قرن يصله سلامها، هل كان يتخيّل مثل هذا الفعل بعد كل هذا العمر؟ بدت كهبّة الرّيح التي تشعل جمرة راح رماد النسيان يلّفها مع الوقت... خيّل إليه أنه نسي عمر الماضي بما حمل، الضحكات والأحلام والجري تحت وابل المطر، دنيا طويلة عريضة من الآمال، سوق " الحلفاوين " الذي شهد على هذا الحبّ المشتعل،...
داس عقب السيجارة تحت قدميه في حركة دائرية ، وعاد الصمت المترقب من جديد ، ليكتسي بسكون مظلم ويلتف بغشاء ضبابي ، مثير. قتلا للوقت أخذ يوسف يذرع الغرفة جيئة وذهابا ، عاقدا يديه وراء ظهره مرة ، تاركا إياهما إلى جانبيه مرة أخرى ، وفي رأسه تتأرجح أفكار كثيرة ، توقعات ، أحاسيس ، والسكون يمر على جدران...
"الأسطى" عبد الهادي توالت الأخبار والحكايات حول عملية البيع المرتقبة، تكاثرت فلم نعرف الحقيقي من المزيف، أفادت إحدى الحكايات أن هناك أربعة أو خمسة عروض مؤكدة وأنه قد بدأت دراستها بالفعل، حكاية أخرى ذكرت أنه لا يوجد إلا عرض وحيد وأن هناك تكتما شديدا يحيط به، من جهة أخرى قال بعض الموظفين والعمال...
قال لي بائع التّذاكر: - أتذكرُ أني رأيتكَ البارحة هنا، أليس كذلك؟. - نعم. لقد وصلتُ المحطة متأخرًا، فاضطررتُ لتأجيلِ الرّحلة لهذا اليوم... قاطعني مندهشًا: - ألم تسمع نشرة الأخبار،ألم تقرأ الصّحف؟!. نفيتُ بهزةٍ من رأسي، لكن لم يمهلني طويلًا، إذ قال وكأنه يسردُ فيلمًا سينمائيًا: - ليلة البارحة،...
دشداشة رمادية حائلة لا تستبدل , وجه مصفر صغير يلف جراوية على رأسه يثبت عليها صندوق زجاجي صفت داخله كريات حلوى ( الشكرلمة). حين يتعب من الدوران في الازقة يستقر على تخت المقهى في قلب العشار وهو في حال وجوم مستمر لا البيانات رقم واحد تهمه ولا الرؤساء الذين يستبدلون كل سبع سنوات ولا حروب التحرير او...
ثلاثة اخوة يتبادلون ادارة الاسواق الواسعة في احد الارياف. اوسطهم شاب في العشرينيات بسيط ومتزن وفيه شيء من الانطواء. يحسده الزبائن فكل شيء متوفر في هذه الاسواق من كرزات ومعجنات وادوات كهربائية وبهارات وقرطاسية وانواع الدجاج واللحوم. كتابه المدرسي بين يديه يطالعه حتى يأتي زبون فيتبادل معه كلمات...
ما انفكت الملمات، ترافقه في سرابيلها التي حملت كل تمزقات الذنوب المدلهمة، في ليالي عقيمة، رافقه العديد من هم على بينة من الأمر، بإنه لا يتعدى زمن عابر، صقلت الأيام أظافرها ولونتها بالسواد، تجهيزا في طعن أبدان آن لها أن تتذوق عذابات الآخرين، الذين اعتاد ان يراهم كبسولات لأمزجة متغيرة، قد تعني...
كانت السماء فى ذلك اليوم ملبدة بالغيوم، وصفحة البحر كمرآة مقفرة، وقوارب الصيد متناثرة، تتمايل وتطوح كلما عصفت بها الريح، حبيبها الشاعر يقرأ كل يوم، صفحات عديدة من كتاب الشمس، وحياته دونها معتمة، لا نبض فيها ولا حياة، مازال يكتب القصائد فى عينيها البنيتان الشقيتان، التي تسحبانه نحو الأعماق،...
معتمرا قبعة سوداء، وسترة ضيقة، وسروال جينـز، وحذاء رياضيا ذا علامة عالمية شهيرة، ومتأبطا عددا من كتبه، اخترق الرجل الستيني بخفة شاب في العشرين خان الخليلي، مارا من أمام مسجد "الإمام الحسين"، ليدخل زقاقا ضيقا تحفه محلات مكتظة بالناس والسياح، ويقف بقرب بناية قديمة تنتشر على جانبيها موائد وكراس،...
جالسة علي سريرها الحديدي القديم - ســرير عــرسها كما اعتادت أن تقول لنا كلما حاولنا تجديد غرفة نومها -، كل شىء حولها تغير إلا ذلك السرير، سريرآ وصندوقآ مطعما بالفضة كانا مشتملات غرفة نومها، استبدلت الصندوق بدولاب لكنها أبت أن تستبدل السرير بأخر أحدث وعلي الموضة كما نقول، تصرخ فينا سرير عرسي...
أحب ركوب الحافلة ، خاصة عندما تكون المسافة التي ستقطعها طويلة ، أحب ركني القصي في الخلف ، خاصة لما لا يكون هناك عدد كبير من الراكبين ، أحب ألا يكلمني أحد، ولا أحد يتجرأ أن يكسر الهدوء حولي . عندما أجلس ، كل شيء يتوقف عن الدوران ، أفصل نفسي عن العالم حولي ، أحس أنني أنزلق على الطريق وأنني...
هذه الرواية خيال محض لكن الواقع غالبا أكثر غرابة من أي خيال أهديها إلى ابنتي الحبيبة أروى أيمن مصطفى الأسمر دمياط - مصر يناير 2008 محمد عبد الهادي كعادتي في الشهر المنقضي التجأت في نهاية يوم شاق آخر إلى مقعد وحيد في مقهى شبه خاو، أصبح هذا المقهى بالنسبة لي ملاذا آمنا ألجأ إليه في ساعة متأخرة...
أعلى