سرد

عدنا من المستشفى. لم يزل جميل في غيبوبة، لم يحرك رأسه وعينيه عندما كنا نتحدث معه. وعلمنا بأن الشرطة لم تعثر على السائق، الذي صدمه في الرملة البيضاء ببيروت. كنا عام 1974 نقيم معًا في شقة بالقرب من جامعة بيروت العربية؛ في انتظار السفر إلى ليبيا بعد أن تعاقدنا مع البعثة التعليمية الليبية للعمل في...
حدث هذا قبل عقود كثيرة من الزمن .. حين كنا تلاميذ صغارا، لقد جاء رجل اشقر طويل، كان قد طوى مسافة بعيدة من مدينته قبل أن يصل مدرستنا الريفية النائية .. كان يضع في فمه غليونا، ينفث منه دخانا كثيفا يحجب عنا وجهه احيانا، لكن صوته ظل ينفذ الى اسماعنا بقوة أو ربما كنا نحن نصغي اليه بإنتباه شديد .. وقف...
أعرف رساما ، كان ينام جائعا في ايام الحصار ، لم يشارك في مهزلة رسم " الرئيس " عاش طوال حياته على الكفاف، عفيف النفس، ذا كبرياء عال. الرسام في هذه الايام ، صار يرسم اي شيء ليتجسد الى حقيقة واقعة ، مثلا رسم دجاجة ، فخرجت من الكنفاس ( قماش اللوحة ) لتقأقئ، شواها لاطفال اخيه الأسير، رسم بقرة ، فخرجت...
سمعت طرقا قويا على باب شقتي الوحيدة، في الحي الوحيد، في المدينة الوحيدة، في الليل الوحيد. استيقظت من نومي، ارسلت نظرة من نافذة بيتي الوحيد.. كانت العتمة تسترخي في كل مكان يعلوه السديم المنتشر في كل ناحية وصوب. " من الطارق؟". هتفت. فجاءني صوت انثوي طال اشتياقي اليه في الفترة الاخيرة:" انا افتح...
ربما كان من الضروري أن يحدث ذلك. ربما يحتاج الأمر لمؤامرة من نوع خاص ومتقن لأجل تلك المرأة التي وقفت تستحم، لتغسل عن جسدها عشرين عاماً من الوجع القديم ، وقبل ذلك كانت تسأل نفسها في ليال ذات ريح بارد وهزيم، إن كان بإمكانها أن تطلق عفريتها لمرة أخيرة؟ ذلك العفريت الذي سجنته في زجاجة يشف اخضرارها...
استيقظتُ هذا الصباح، لأجد في نفسي رغبةً شديدةً في الانتحارِ، شعرتُ كأننّي أمتلكُ عيونًا أخرى للحياةِ خالية من الدهشةِ التي فقدتها عندما كان عمري ثلاثة عشر عامًا. سأتحلى هذه المرة بالشجاعةِ أكثر من المرة السابقة التي انتهتْ بالفشلِ عندما تم انقاذي في اللحظات الأخيرة، أو ربما كانت لدي بقايا رغبة...
لم أعرف من قبل حبّة دواء بهذا الاخضرار. لا أتكلّم هنا عن خضرة الأعشاب والأشجار التي نصادفها كل يوم. كان لونها أغرب من هذا حتى أنني شككْت بوجود هذه الدرجة من اللون الأخضر في الطبيعة. كنت كما الغريب الذي "يتعلّق بقشّة" مضطراً لتجربة اي شيء جديد لعلاجي من فرط الانفعال الذي بدأ يحوّل حياتي لجحيم بعد...
حزن مصطفى واستشاط غضبا، كيف تخطئني؟! ، كيف تنصر على الآخر، وأنت صديقي؟! ....لا وألف لا... أنا لست مخطئا، إنهم حمقى، مرضى، أغبياء. قلت له في دهشة : هل تريدني أن أقول غير الحق؟! هل تريدني أن أقول أنك وحدك على صواب.، وهم كلهم على ضلال؟! مضى مصطفى وهو يزمجر،ملوحا بيده، بعد أن لوي حاجبيه ورسم على...
يصلي عبد السلام الصبح في المسجد كل يوم. عندما يخرج من البيت في ظلام الفجر يدعو الله ألا يعترض سبيله أحد اللصوص، ويرميه بقطعة حجر، أو يضربه من الخلف بعصا على رأسه، فيتسبب له في عاهة مستديمة. يمشي بحذر، ويلتفت يمينا ويسارا تحسبا لأي طارئ. منذ كان طفلا وهو يسمع الناس تقول بأن الاستيقاظ باكرا...
حياتي أصبحت عبارة عن تفاصيل مبعثرة، لا شيء فيها متماسك سوى أنا التي تحمل هذا الإنفصام، وتحاول أن تتقبله كقدر حتمي، هذا يذكرني بنص لتاييس نين فيه شيء شبيه بهذا، ومع ذلك، قيل بأنه نص متماسك البناء، أنا أيضا مبعثرة ومتماسكة بالقدر الذي يريده هذا العالم. لقد كبرتُ دون أن أعي ذلك، أو بمعنى أدق، أرفض...
إنني أشبه الجميع ، أظن أن لا أحد انتبه أو ينتبه إلي في الشارع، إنني أجسد اللامبالاة الحقيقية . أرتعش من الخوف ، ويصيبني صقيع داخلي من الوحدة . الماضي يحتلني . متى توقفت عن الوجود ، متى ذابت آخر الحبال التي تربطني بالحاضر والمستقبل ؟ كرهت ذلك الشخص الذي هو أنا والذي يحب الجميع ويقوم بأي شيء من...
تململ بانزعاج في مقعده الضيق، وزاد من انزعاجه صراخ طفلة صغيرة في الخلف. كان يتمنى لو كان يستطيع أن يضع يده الضخمة على فمها الصغير فيخرسها للأبد. باعتباري ساردا جد محايد، ليس بيدي أن أوقف سيل هذه الاستيهامات الشريرة أو أنقص منها شيئا قد يزعج راحة القارئ العزيز. ولكني لا أخفيكم أني أتمنى لو يتمادى...
سفر: الزعماء القطار أخذني من ذاتي، ألقى بي في دوامة الحياة، أشعر بضيق لو أقدر أن أنزل لنزلت لكني أعلم أنني لن أنجح في أن أهرب إلى أين... صخب وضجيج الحياة من حولي أرغب في أن أنام يومًا دون كوابيس.. كوابيس النوم أخف من كوابيس اليقظة.. أحلم بأنني أعيش حرًّا طليقًا، هذا أمر يبدو مستحيلاً الغربة...
أحبُّ كتابةَ القصصِ على ضوءِ النهارِ، لأمنحَ شخصياتي من الصبحِ إشراقتهِ، ومن الشمسِ وضوحها، أو ربما هو هاجسٌ كي أجعلها نسخًا مكررة مني ولِمَ لا ؟ ألستُ أنا مَنْ خلقها ؟. بطلٌ ورقي من أبطالي - كنتُ أفضلهُ على الآخرين - استفزهُ ما كتبتُ ، فقال لي بعد أن وضع ساقًا فوق ساق: ماذا قلتِ؟ تجعلينني...
في غرفة مغلقة جلسنا معا كل يحكي عن تجربة الأسر لدى حماس، فتفيض وتكيل ألسننا بالمديح أو بوصفهم بما يليق بهم وهو مالن نستطيع البوح به بين الزاعمين بأنهم الدولة الوحيدة الديمقراطية في المنطقة، نحن لسنا دولة وإنما عصابة مخلقة من ثغور شتى، نعاني اضطراب الهوية نزعم أننا ننتمي إلى ياهوه وأرض الميعاد...
أعلى