ذات يوم فاجأني أحد الأصدقاء بسؤال غريب، لم أكن أتوقع أن أسمعه يوما ما، وخصوصا من صديقي المعروف بقوة شخصيته ورزانته واتزانه وتعففه عن استخدام ألفاظ غير محسوبة، أو أسئلة تقود نحو الحرج والخجل.
سألني: ما الفرق بين ما أنت عليه الآن، وبين زمن كنت فيه طفلا؟
قلت:
بين أعطاف الطفولة كنت أملك حريتي...
دخلت مرسمي، لا شيء في مخيلتي، سوى الذي في مخيلة كل مبدع. شارع في عمله، تحقيق ذاته.
أثناء تحضير ذهني للعمل، راودتني كعادة كل فنان، طلقات إبداعية.. منصاتها نفسية وبعضها روحانية، لينطلق منها إبداعي، تمثيله في اللوحة، التي تنتظر ما تحبل به قريحتي، ينمو جنينه بذهني، يعمل عليه في تلك اللحظات، نيتي...
حمَلني فوق كتفه مثل شوال مفتوح تتسرب من الدماء وركض بي بين وهج النيران، مشهد لا ينفك أن يتردد في ذاكرتي وينغرس في أحلامي لحد الآن، رغم مرور عمر على انتهاء تلك الحرب، ورغم أني كنت شبه مغيَب عن الوعي، فيما كان جسدي ينتفض مثل سمكة خرجت لتوها من الماء، مع تدافع أنفاسه بين أضلع صدره طيلة المسافة...
عندما دخل السيد المدير كان لم يزل يُعمل مقشته في أرضية الغرفة … مثيراً ذرات التراب . ، ليتأفف ، ويكتم طاقتيّ أنفه بمنديل ، ويستدير قائلاً وهو يصيح فيه بغضب:
- يا ثور .، لماذا لم تنظف الحجرة مبكراً ؟!
التقطت أذناه الكلمة فاستطالتا ، ضيق ما بين حاجبيه ، دلى شفته
السفلى الغليظة وكتم بشفته العليا...
6- 2006
شهر جديد، لا علاقة له بأشهر العمر التي مرت وقطعت سنين عمري المثقل بالوجع والهم، فيه تكوَّنَ حزنُ الفرح، ومنه انبثقت دموع عذبة، خالصة الصفاء، وفيه توزعت نفسي على مرافئ الأحاسيس المجهولة المغلفة بوضوح الغموض، وصفاء المجهول.
10- 06- 2006
بدأت الأيام تنهب حواف الزمن، وميناءُ الساعةِ...
وقيل لنا بأنّ ما ستراه عيوننا وما سيحدث في يومنا ليس غريباً ولا مستغرباً، إذ أنه مكتوبٌ على الجبين!
ووقفتُ بالمرآة المقعّرة التي تكبّر دقائق الأمور ولم أستطع قراءة ما كُتب على جبيني، كنت أريد استكشاف طالِعي، ولم أوفَّق رغم تمحيصي في جبيني المعروق، إلا بترجمة خطّين احتفاريّين يزدادان غؤوراً...
أخاف أن تفلت يدك يدي؛ فيبتلعك الزحام. عادة ما تردد تلك الجملة بوجه تشع منه الطيبة، و الجدية في آن واحد. أفرد قامتي القصيرة، و أمط رقبتي، و أقف على أطراف أصابعي؛ لأبدو أكثر طولا، و أجهد في إقناعها بأنني أستطيع العودة بمفردي إلى الدار، إن توهت في زحمة السوق. أذكرها بأنني أقطع تلك المسافة مئات...
ما زلتُ أتذكر رغم مرور أعوام طويلة، اليوم الذي اصطحبت فيه ولديّ مع كلبتهما إلى السوبر ماركت لأشتري لهما بعض الحلوى. كان الكبير بعمر الخمس سنوات والصغير بعمر الثلاث.
الفصل كان ربيعًا وسحبٌ عابرة غطتْ وجه السماء كما يصفونه في نشرة الأخبار بإنه غائم جزئي.
طرأتْ في رأسي فكرة وأنا أنظر للشمس...
تتسارع الأشياء، تكتمل، تتوالج الظلمات مع انبثاقات النهار، تتوثب الرؤى لتنازع المعلوم مرورا لطيفا بين خفقات المجهول، تندفع الطاقة الكامنة من روح تشعر بتحدب اللحيظات القادمة، تتدلى أيام العمر أمام العينين، كعناقيد من وهج متفجر، ترسل بريقا يمتزج فيه الأصفر مع لون الغروب، تتلاقح الألوان وتتزواج،...
أصابع الإتهام كلها تشير إلى أم بغدادي ، فهى إمرأة مفلوتة اللسان لا تبتل فى فمها فولة ، وقد شوهدت تجلس إلى أم منصور فى نفس اليوم ، بل وتؤكد جملات الخياطة بأنها شاهدت أم بغدادى فى المقبرة وهى تهمس في أذن أم منصور ، وبعدها مباشرة أصيبت المرأة بما يشبه اللوثة ، إذ خبطت على صدرها ، ثم أخذت تدور على...
كان الشيخ غانم هلايليا أصيلا ، وهو شيخ قبيلة ضاربة بخيامها في منطقة "بوسعادة" وكان متزوّجا من بربرية شاوية وله معها ابن وحيد اسمه "ذياب"أنْجَبه عن كِبَر .
في يوم من الأيام بينما كان ذياب يلعب خارج خيمة والده ، فإذا برَجُلين بَرْبَريَيْن يتَسَلّلان إلى القبيلة ويختطفانه ويفرّان به . تعالت...
إن شئت أن تدرك فعليك أن تعاني، وأنا صار قلبي كما السماء، أجمع فيه أشلاء خوفي وأحرقها حتي الرماد ... صرت كما قطرة ندي فوق زهرة لوتس ترتعش علي صدر هذا الزمان، لماذا أيها الوقت تفزع الزهر في قلبي ؟! الدموع بلغت عيني، وحزن يتساقط كما حبات المطر...لماذا جعلت الصقر يجاور البلبل ؟!..أنا عشت حياتي لم...
متى سيأتي دورك أيها القارئ العربيّ لتصبح لاجئاً؟
مشكلتك تكمن في أنك تقرأ هذا المقال، وهذا يعني أنك عربيّ، وبالتالي فأنت ترقد على بركانٍ خامد وسينفجر بأية لحظة من تحتك، أو أنّ الأرض ستميد من تحتك بزلزالٍ طبيعيّ، أو أنّ حرب داحس والغبراء ستطالك بغبارها، فتنقلب طاولتك وتتبعثر أوراقك، وتشدّ الرّحال...
الرابعة عصراً يجيئون ،
بتوقيت لا أعرف متى رحلوا.
ببجامتي المقلّمة وقميصي السمائي _ آخر ما اشتراهُ أبي لي قبل أن يتلاشى في المجهول _؛ عبرت شارعا ، شارعين ، حزمة شوارع ، وبضعة قطاعات من أحياء شعبية ، كي ألتقي..كي ألتحق..كي أنضمّ إليهم.
نعم، ألتقيتُ وأنضممتُ.
منذ الطفولة ، أدمنت اللقاء بهم كما...
كان صباحاً هادئًا دافئاً من صباحات تلك الشمس الغاربة، وقد تناثر عليه وقع صمتها الأخير:
- تمنيتُ لو كانت لدي الشجاعة لأعترف بحماقتي وأنا أودع صوت أنيس كغفوةِ الحلم..
قالت له، واردفت في هدوءٍ أقرب إلى البكاء:
- لكنني هكذا وجدتني وحيدة..
أضاءت تلك الخطى مثل ورد الليل، مدّ يديه الدافئتين لإحتضانها...