وضعت ريشتها بعد أن أنهت آخر رتوش في اللوحة الأهم للمعرض، لم تكن تهتم كثيراً بكم ستقدر لوحاتها، بقدر اهتمامها وشغفها بماذا سيكون رأيه إن رأها يوماً!!
هل سيدرك ما تبوح به من رسائل ترسمها خصيصا له؟
هل سيقدر كم ليلة سهرتها لتنقش نقطة تشير إلى شيء ما في قرارة نفسها!!
وبقعة الضوء تلك، أضافتها لتفتح...
كان ذلك البحر أكثر زرقة من كل البحار، وكانت أسماكه شفافة تمامًا كدموع الولد ذي البشرة المائلة قليلًا إلى الزرقة، وكان الولد جالسًا وحده أمام البحر في تلك الليلة، حين انتبه إلى صوت ترقرَق على جدران قلبه:
"أبشِر أيها الولد. إن مَلك هذا البحر قد عرفك فأحبك، وقد أمرنا بصنع هذا الخاتم لك...
تجلسُ أمامي ، امرأة جميلة جداً . وحدنا في الترام ، لا أنظرُ إليها ، ولا تنظر إلي ، نراقب تصرفات بعضنا البعض . هي في الأربعين كما أتوقع ، وأنا في الخمسين كما مثبت في جواز سفري . هي لديها زوج وأولاد وبنات كما أظن ، وأنا لدي زوجة واولاد وبنات كما أعرف . الترام ذاهب الى آخر محطة . تجاوز منطقتي...
بذلت جهدا كبيرا، كي أقنع أمي بواجب التعزية في وفاة أبي، صحيح أنني كنت قد قاطعته منذ مدة قصيرة، لكن أصر عمي على حضورنا، فأنا وريث أبي الوحيد.
سلّمت أمي لمجلس النساء، تجاهلتها جدتي، و احتضتني بنحيب قائلة:
ـ من رائحة المرحوم.
رائحة…رائحة أعادتني لصراخهما الذي أرعبني
..جلست في زاوية الغرفة ..أرقب...
همس في أذني وهو يحاول جاهدا أن يلملم نفسه، ويصلح بعض ما اعترى هيئته وسحنته المقلوبة لدى خروجه من مكتب المدير بعد أن أدى واجب الولاء والطاعة الصباحي :
يا أخي ، أي تبدل هذا الذي أصاب مديرنا ؟ وهل تفعل الكراسي فعلها في الناس إلى هذا الحد من التعالي والتكبر ؟
أتذكر أيامه الأولى في الإدارة؟...
من المؤكد أنه ظلَّ يلح عليه؛ كي يعطيه من المال ما يكفي لقيام مشروعه الجديد، وتحويل الشقة الكبيرة إلى مطعم فاخر، على غرار نمط ويمبي، ماكدونالدز، بيتزاهت، وكنتاكي: واجهة عملاقة من الزجاج، تجتذب عين السائر في الشارع، تعرض عليه ما يدور في المحل أولاً بأول، وقد أزاحت عنه “فوبيا” الأماكن المُغلقة. لم...
أتذكر جيداً ذلك اليوم الذي أخبرتها فيه أنني أخاف الاقتراب من البحر، لتبادرني بالسؤال:
- ولماذا تخشى الاقتراب؟
- حين أقترب منه يخيل اليَّ ان هناك من يحاول الإمساك بي، وأنا عاجز عن فعل شيء، وأشعر بأيد خفية تشدني إلى الأعماق، وعيون تترقبني بين تلك الأمواج العالية، وتحدثني بصمت: لا تخف، أقترب أكثر...
يرقع ملابسه بقماش من ألوان لا تتوافق مع بعضها البعض، ليبدو كمسيرة لعيد الألوان في الهند، عابرٌ أبله، يمر على المنشغلين بالحياة مرور مستهزئ ساخر، ليس له في الجد غير وقت النوم، فهو من الأوقات المقدسة بالنسبة إليه، يتشاجر مع الأرصفة ويدعك برجله أوراق الشجر الميتة، ثم يلومها على انفصالها عن الأغصان،...
التفت إلي والدي ثم نظر إلى تلك الرابضة كأنها حارس قوي،غرسها وحيدة من أخواتها، إنها هنا في حديقتنا منذ آماد؛ في الصيف تتدلى ثمارها أشبه بقناديل خضراء معلقة؛ يدير رأسه ناحيتي، يظل يبحث عن أفكاره التي يختزنها لأجل الصغار؛ في العيد نلتف حوله إنه عبق آل جادو الطيبين؛ رغم أنه اعتاد أن يكرر ما سرده؛...
أعرف أنني سأموت منزوياً في طريق عام، هناك بجوار قاعدة أسمنتية لكوبري علوي. سوف يكون الشارع خاليًا من المارة تقريبًا، غير أنني أرى بوضوح الكلب مبتور الساق الذي حدق بي. سوف يتأمل المشهد طويلاً، دون أن يفهم لماذا يموت البشر هكذا في الشوارع!!
أستطيع الآن أن أشم رائحة اليوريا وهي تخرج من أعضاء...
لطالما فتشت عن وجه لأمي في الصور العتيقة، وجه لم أستطع تذكره، رسمه، تحديده! فقد غادرتني إلى مكان بعيد وأنا في الخامسة، ظل الفضول يحوطني مثل غيمة مخدرة، يحرض فيّ أفعال البحث والتقصي عنها، عن صورة لها، في الألبومات المخبأة برغبة والديي، رغبته بالتحكم بذكرياتنا، التحكم بآلامنا، والخوف من تجدد...
في هذا المحيط الذي يعيش فيه عبد الرحيم ألف سؤال وسؤال، تبدأ من الوسادة الرقيقة، إلى صحوة والده في جوف الليل يحمل زاده ليبدأ ترحاله اليومي إلى العمل، إلى الذهاب مبكرا إلى مدرسة الوكالة بعد تناول كوب الشاي وكسرات الخبز، إلى زملاء الصف والحي، والأحاديث الصبيانية في الطريق إلى المدرسة، إلى الحيّ...
لقد كان وسيماً. أُدرك أن الوسامة ليست كل شيء، ولكني إنسانةً تُقدر الجمال حيثما وجد، فإذا كنت أُقدره في النساء، فكيف لا أفعل مع الرجال وأنا امرأة!
أعترف أن وسامته، وبطبيعة الحال كونه طبيب أسنان ناجح كانا أول ما جذبني لشخصه، وكان يمكن لهذا الانجذاب أن يمر كغيره كثير لو أنه اقتصر على ذلك فقط، لكن...