قصة قصيرة

في الشوارع المكسوة حديثاً بالإسفلت، تمضي وسط زحام المركبات سيارة خصوصي بيضاء يقودها شرطيّ يعمل فترة استراحته سائق أجرة. كان يفترض بالشرطيّ وقد انتصف الليل الآن، أن يعود لاستلام واجبه الذي سيمتد حتى حلول الفجر، لكن رجلاً عجوزاً وامرأته أومئا إليه في طريق العودة كي يوصلهما إلى مستشفى الولادة. كانت...
ها أنا ذا تائهة في الزمكان.. كان الوقت ليلاً.. بعد عشاءٍ ردئ. قلت لها: هيا بنا نغوص في غياهب المكان(...)، دخلت من البوابة الزمنية موقنةً بأنّّي سأنتقل إلى عوالم أخرى، سرتُ مسحورةً نحوها.. وولجتها، بعد قشعريرة لم تفارق جسدي البتة. دخلتُ فتملّكتني رعشة لم أستطع تحديد مصدرها أ من الحنين جاءت؟...
قال مرشح من الأعلى لمواطن من الأسفل: ـ إذا صوت علينا وفزنا بالانتخابات سنقوم بإصلاح التعليم والصحة، ونقضي على البطالة، ونشغل الشباب، ونوفر السكن اللائق.. جال المواطن بعينيه يمينا ويسارا.. كل الذين صوت عليهم من قبل قالوا له نفس الكلام.. ركز عينيه في عيني المرشح ورد بالواضح: ـ سيدي اسمح لي ربما قد...
يطلق الشتاء زفيره على الإسكندرية، ترتجف الأرصفة، تنكمش الشرفات في معاطفها الحديدية، وتتكوّر القطط قرب عتبات البيوت. صباحٌ ملبدٌ بسحبٍ رماديةٍ ، يخرج "عزيز" إلى البحر كعادته كلما ضاقت به الأرض، يرتدى معطف أبيه القديم، ذي الأزرار الخشبية الداكنة، يدير ياقته الصوف إلى الأعلى، رصيف الشاطئ خالٍ إلا...
في إحدى حواري العاصمة التي لا تنام، حيث الحياة أرقام تتدفق على الشاشات، عاش آدم كظل بين الظلال. في مكتبه، حيث الجدران البيضاء الباهتة، وشهادة الموظف المثالي المعلقة بخيط مهترئ، يقضي يومه بين شاشة حاسوب تومض كأنها تكافح للبقاء مستيقظة، وطابعة تخرج الأوراق بنفس الإيقاع المتكرر. يدخل السجن صباحاً...
استغرق وقتًا طويلًا حتى شعر بنبضات قلبه تتدفق، كمن يعود من غيبوبة حلمٍ قديم. كان يتكئ على حافة الزمن، كغريبٍ تاه في زحمة الفوضى، يرى الأفق ضبابًا يعانق السماء، فيواري صفاء النهار، ويبث في نفسه دائرة من الشك، كمن يسير على خيطٍ رفيع فوق هاويةٍ لا قرار لها. صدى صوتٍ يخترق حدود الصبر، كأنه...
اشتكى الهارب من الخيالات والأشباح اللعينة التي تطارده في كل ليلة حين يخلو إلى نفسه وهواجسه في ظلام الليل الدامس فقال بتضرع في نغمة يسودها الكثير من الحزن الذي يعتصر ألما : آه على رسلك أيها النهار لماذا تصر على الرحيل وأنت تعلم جيدا أنني غير جاهز بعد لهذه المغادرة الطوعية كفاك عنادا وأصغي إلي...
لا أعرف لماذا أتبع صديقي المجنون، أسير معه أنى ذهب، ربما لأن مراقبة جنونه، يوفر لي بعض السرور في غربتي، ها هو اليوم، عندما وجدني في باب العمارة أدخن سيجارتي، حدثني بالإشارة، وبعض الكلمات التي بالكاد أفهم معناها، أن أصعد معه الى سيارته، التي هي عبارة عن غرفة معيشة متنقلة، تتوفر فيها كل لوازم...
في سنة لا تقيسها الساعات، عند حافة الألفية الرابعة، كان الزمن قد فقد معناه القديم، وصار يُقاس بعدد النسيانات التي أصابت البشر. المدن أصبحت عائمة في فضاء من ضوء، والخرائط طُويت كأوراق قديمة، إلا خريطة واحدة… خريطة محفورة في وجدان أرواح لا تعرف الفناء. في أرشيف كوني اسمه الذاكرة الأولى، كانت...
مكثتُ غير بعيد، ثوانٍ فقط مرت منذ إفاقتي، لكنها بدت كعمرٍ بأكمله. آخر ما أذكره: حضرت إلى المستشفى بعد معاناة شديدة مع الآلام التي هاجمت صدري بضراوة، كآثار جانبية لمرض السكري، وبعد مناكفة مع طبيب الطوارئ؛ إذ ظن أنني أتدلل وأضيع وقته الثمين، ولا أعاني من أي شيء، أدرت له ظهري، فهويتُ أرضًا عند...
كان جائعًا، والمنبِّه الموضوع فوق جهاز التليفزيون يشير إلى الثانية، وما زالت هناك ثلث ساعة على موعد سيد، وعندئذٍ يبدءون جميعًا الأكل. ومال برأسه قليلًا يُنصِت إلى حركتها في المطبخ. كان يعرف أنها تنتقل الآن بنشاط، رغم أعوامها الخمسة والستين، بين الحوض والبوتاجاز والمائدة ذات الغطاء الصاج، وأن كل...
الحب كالصباح ينير الدروب، وينشر الارتياح ويصافح الاحباب، لغته شفيفة هامسة مثل هسهسات الانسام، الحياة دونه مثل شجرة عجوز غير مثمرة، يفتح النوافذ دون استئذان ويدخل الغرف الموصدة، يتركها مشرعة لينفذ منها الحب والنور والمطر، جميلة مثل زهرة برية متفردة نبتت دون جذور بين حنايا الصخور وتكلس الشواطيء،...
لم يكن كريم يمشي إلا والابتسامة تزين شفتيه. في عمله، يغطي على زملائه عند الخطأ، ويحمل أعباء الغائبين، وهو يضحك. يضحك في وجوه الناس دائمًا، حتى حين يخذله أقربهم. يمشي بخفة بين الممرات، يحيي الجميع كأنه لا يعرف الغضب. كانت ضحكاته تلك تثير حفيظة مدير الشركة، الذي يتهكم عليه قائلاً: "دائمًا متفائل،...
عند المنعطف الأخير من الطريق بينما كان الغروب يحني ظهر المدينة حيث بدت الظلال اكثر انتشارًا من الضوء، كان ابني الصغير ذو الاعوام التسعة يمسك بيدي، وكأنه العالم الذي أخبِّئه في عينَي، بدأتْ الطريق تضيق كأملي في الوصول سالَمَين إلى البيت، وقبل أن يلمحَ طفلي الصغير ما وقعتْ عليه عيناي، انعطفتُ عكس...
أعلى