قصة قصيرة

كانت واقفة هناك، كقصيدةٍ نسيها شاعرها في زحمة العمر، متكئة على شرفةٍ تشبه حافة الذاكرة، تلك التي تهوي منها الأحلام حين تتعب. في يديها فنجان قهوة بارد، لا يدفئ سوى الفراغ، كقلبٍ كان يوماً مشتعلاً ثم أطفأه الغياب. كانت تحدّق فيه كما يُحدّق الغريق في صفحة الماء، لا يرى نجاته بل وجهه الموشّح...
جاء ولد يزة اليوم مبكرا إلى المقهى لحجز مكان أفضل لمشاهدة مقابلة في كرة القدم. وعليه أن يحجز مقعدين أو ثلاثة لأصدقائه.. طلب فنجان قهوة سوداء.. أشعل سيجارة شقراء من صنع أمريكي، ليهضم بها أخرى محشوة بالحشيش دخنها في الطريق.. لم تعجبه التشكيلة التي دخل بها المدرب المقابلة. وخمن أنه سيخسر.. شتم...
لم أنتظر شروق الشّمس حتّى أغادر المنزل. أخذت دميتي واتّجهت إلى المقبرة. هناك ترقد خالتي منذ عشر سنوات. كان ذلك اليوم الوجه الآخر للحياة. لقد عرفت في ذلك اليوم ما معنى أن أفقد خالتي. كان يعني لي أن أفقد قدرتي على اللّعب الصّافي وعلى العمل. فخالتي – رحمة الله عليها- كانت تعلّمني وأنا ألعب. كنت...
قبل أن تبدأ الحكاية : لم يكن الكوكب الأزرق كوكبًا، بل غمضة من عوالم لا تُقاس بالعيون. لم يهبط من السماء، بل صعد من نداءٍ قديم، حين احتاج النور إلى ممرّ، والسرّ إلى جسد. بعض العروش تُعبر ولا تُملك، وبعض الأبواب تفتح مرة واحدة، ثم تختفي كأنها لم تكن. الذي مشى عليه لم يكن ملكًا، بل أثرًا، وظله ليس...
يمارس حياته باعتيادية وتكرارية، بدت وكأنها تضفي الراحة والابتسام فوق وجهه، لا يتوقف امام التفاصيل الصغيرة، لديه قدرة مدهشة على ازاحة القتامة، وقناعات ان الشمس لا يمكنه ان يرقى اليها، ولا تستطيع النزول اليه، يتبع الشمس بشغف وهى تلوح له بالمغيب، حديثه مشبع يدل على دراية شاملة والمام واسع بالامور...
رنّ الهاتف فجأة في قلب الليل، تمام الساعة الثالثة فجرًا. تقلّبت لينا في فراشها كمن تفرّ من حلم ثقيل، ومدّت يدًا مترددة نحو الطاولة الصغيرة، حيث وميض الهاتف ينبض في العتمة. رقم مجهول. ترددت للحظة، ثم ضغطت زر الإجابة. كان الصمت أول من تحدّث. – "مرحبًا؟ من المتصل؟" جاءها الرد كأنّه ينسلّ من بين...
كان مجد في طريقه من حيفا للمشاركة بجنازة رفيق دربه المحامي محمّد، والذي وافته المنيّة إثر جلطة دماغيّة خلال حراثة أرضه التي ورثها عن أجداده وتشبّث بها، إذ كان ناشطًا في "حركة الأرض"، ولاحقًا في "حركة أبناء البلد"، وناشطًا سياسيًّا في بلدته. اتّصل به صديقه رشيد وسأله إن كان بإمكانه اصطحاب ليلي،...
ككل يوم ، أستيقظ من نومه ، ذهب إلى الحمام ، نظر في المرآة إلى وجهه الشاحب ، ألقى بعض قطرات الماء على وجهه ، أرتدى ملابسه ، لم يتناول الفطور ،وذهب إلى العمل. عاد عند الظهيرة ، تناول غدائه ، ونام على الأريكة امام التلفاز الذي تفوح منه رائحة الدماء والحروب ، ولأنه يشعر بعجز لا يقاوم اغلق التلفاز...
أمسك بالقلم واجتهد أن يكتب رسالة، تأخر كثيرا، فمنذ سنوات وهو يبحث عن عنوانه، تعب من السؤال والتحري أين يسكن ذلك الساحر الذي اختزن كل تلك المفردات، حين اهتدى إلى عنوانه البريدي كانت الكوليرا تجتاح أمكنة عدة في العالم؛ أخبره أحد العرافين أن خطابا كهذا يحمل فألا غير حسن، قد يأتي بنتيجة عكسية؛...
يجلس عباس أمام متجره الكبير. يتابع طابور النمل الذي يسير تحت الرصيف حاملا بعض الأشياء الصغيرة جدا. شرد عباس طويلا، النمل كأنه جيش منظم له قائد يوجهه ويتابعه. فوجيء عباس بالنمل يدخل المتجر بما يحمله. عندما جاء شريكه مرسي وجده منهمكا في هذه المتابعةفضحك، وسأله: ماذا بك؟ فقال عباس: هذا النمل أمره...
أستيقظَ آدم مرعوبًا بعد قيلولة قصيرة، رأى فيها صورًا غريبة في منامه.. نادى على زوجه ليقص عليها ما رأى، وأيضًا لتعد لهما شاي العصر، فليستْ هناك طريقة يغير بها مزاجه غير الشاي مع فطائر البرقوق التي يفضلها. مرتْ دقائق، لم يؤتَ له بالشاي، ولم يَشم رائحة الفطائر بالقرفة. أين حواء؟! سأل نفسه متجهًا...
في ليلةٍ شتوية باردة، حيث تتلألأ أضواء سوق عيد الميلاد وسط صقيع الزمن، قرأت آنّا في أحد مواقع التواصل الاجتماعي خبراً مفجعاً: "وفاة عازف الكمان الذي وُجد متجمّداً تحت ضوء القمر والثلوج. كان اسمه أورلوف مولر، خريج جامعة برلين للفنون عام ١٩٦٢، وعازف كمان موهوب في ألمانيا الشرقية. تألّق في فرقة...
لم يكن يمرّ فقط. كان يتبعني. أول مرة رأيته، كنتُ صبيًّا في العاشرة، ألعب بالرمال ، أبني قِبابًا صغيرة كمآذن وهمية، أزرعها في فناء البيت كأنني أُقيم صلاتي الخاصة. ظهر عند باب الدار رجلٌ غريب، نظر إليّ طويلاً. لم يتكلم. خطا سبع خطوات، ثم اختفى. صرخت: ـ يا أبي، ثمة رجل يحدّق بي! مسح أبي على...
لم يَكن الّلقاءُ بينهما عينًا إلى عين، بل حبرًا في حبر، وشِعرا إلى شعر، تشابكت رؤاهما في عشقِ فراشةٍ احترقت في أنثويّةِ الكون، وتعانقت أرواحهما في هوامشَ لم يكتبها أحد. كانا عشيقين من طرازٍ نادر، لا تثيرهما إلا استعارةٌ أدبيةٌ كأنَّها الشَّهوةُ الجنسية، لكنَّ الغَيرة كانت تتجلَّى كنصٍ مهترئ، فهي...
في مساءٍ مُثقَلٍ بالضباب، توغّل "ليان" في الغابة الكبرى، يحمل ورقةً قديمة مهترئة، كتبتها أمّه "سيرينا" قبل أن تختفي منذ أعوام. كانت الورقة تقول: "حين تسمع زئيرًا لا يشبه زئير الوحوش، اتبع الوحش ذا الرؤوس الثلاثة… وابحث عن راميس." لم يكن يعرف من هو "راميس"، ولا ما معنى "زئير لا يشبه زئير...
أعلى