غشّى الضبابُ صباحَ المدينة الصغيرة، كأنّه يُخفي أسرارها عن المارّة. كان الطريقُ إلى المدرسة ضيّقًا ومبتلًّا بندى الليل، والحجارةُ تتدحرج تحت أقدام الراكضين إلى صفوفهم.
وسط الضجيج، يمشي سليم وحيدًا. حقيبتُه أثقل من كتفيه، لا بسبب الكتب فقط، بل لكلماتٍ تراكمت في جوفه: «أبو نظّارة»، «الضعيف»،...
يقول الفلاسفة إن الجسد عبء على الروح يحد من انطلاقها، ولكن في حالتك تلك فإن الروح عبء على الجسد. فأنت ترتاد الندوات والأمسيات لتلقي الشعر وتستمع له، وتناقش مع أصدقائك المبدعين والمثقفين أهم القضايا لتسعد روحك النبيلة، تاركًا جسدك النحيل غارقًا في الحرمان. فلا تحقق له شهوة في طعام، أو تتركه يعزف...
في قلب حي قديم، تضج فيه الأزقة بروح الزمن الراحل، تتمايل الظلال في ساعات الغروب، تجلس أمل ذات السبعة أعوام على الرصيف المبلل، تعتصر بين يديها حذاءً ممزقاً، الحذاء ذو لون أزرق باهت، قديم ممزق من هنا وهناك، دخلت إلى دكان الإسكافي، يملأ المكان عبق الجلد ممزوج برائحة التعب، وقفت أمل أمام الإسكافي،...
أحببت هالة منذ كنت في العشرين من عمري. كنا نجتمع سويًّا في نادي الأدب بالكلية، تحت إشراف أحد الأساتذة ممن يهوون الشعر والقصص. كنت أكتب الشعر، أما هي، فكانت تكتب القصص القصيرة. كان جمالها من النوع الهادئ، بلا صخب، بيضاء البشرة، سوداء العينين، محجبة، وكان صوتها رقيقًا وهي تقرأ علينا قصصها، وتصمت...
أخذت تداهم سعيد أفكار سيئة تخص مستقبله الغير واضحة معالمه، فهو مهدد بالسجن بسبب قضايا رفعت ضده من عدة دائنين له وقع لهم على شيكات على بياض ثمن أجهزة كهربائية قام بحرقها في السوق ليستثمر ثمنها بعد ذلك في عدة مشاريع مضمونه الربح مائة في المائة ثم أخذ يتحسر ويندب حظه ويسب النحس الذي يلازمه دوما،...
منذ زمن بعيد ظل سجين أسئلة متناسلة، لا يكاد يجد جوابا لواحدٍ منها حتى تحاصره أُخَرٌ أَكْثر غُموضاً فيجد نفسه فريسة لعملية تكرار مُمِلَّة، في البَدء كانت الأسئلة وجودية محضة، لكن مع تقدُّمِه في العمر حضر الهاجس الاجتماعي بكل تجلياته وترتّبَ عن ذلك تَخبُّط نفسيٌّ قويٌّ، زاده حجم السؤال المعجون...
الانسان وحده المتميز على سائر الكائنات، بأنه حيوان مبتسم، حتى الإبتسامة تراجعت وشحبت، ولم تعد غير تقليصة فى الوجه وجذب وشد فى عضلات الفكين، ابتسامة ميكانيكية،
زيت يلين تروس العجلات الجافة لتدفعها للسير،
الأحداث الموجعة غافلتني وسالت فى محبرتي، لطخت بياض ورقتي بالسواد المتمدد فى الزوايا...
في ساعة الغروب، انزلقت العتمة على وجه الأرض، تاركة نوافذ النهار مشرعة لبعض الوقت، كما لو أنها لا تعارض وجوب الرؤية بوضوح.
وحين لمح ذلك الشبح الذي بدا كسراب، لم يكن الجسد مرئيًا، ولا نابضًا بالحس أو الحياة. انتابته صدمة، أعقبتها رعشةٌ جعلت أسنانه تصطك. لم يكن يعرف إن كان ذلك السراب هو...
لا احد يعرف بالضبط، كم عدد السنين التي مرت على امتلاك ابي لمسبحته، لكن اغلب الناس يعرفون عنها وعنه حكايات كثيرة، بعضها جاءت للتندر من علاقته بهذه المسبحة العجيبة، وبعضها الاخر بدافع الحسد الذي كثيرا ما دفع ثمنه حين يقوم بافعال تجعله يثور ويغضب، حتى ان أمنا قالت ذات يوم، ان هذه المسبحة سبب جميع...
لا أعتقد أنني أنهيت كل الحكي الذي اختزنته ذاكرتي؛ ثمة تشابه بيني وبيني العم ماركيز فكلانا أمسك بقلمه ودون ما كان جميلا، لا أدري إن كان ذلك الكلام الذي ألقت به جدتي في سنوات عمرها التي امتدت مايقارب قرنا يصلح لأن يسمع به الصغار ممن لم يشاهدوا النيل يفيض حتى يغمر كل القرية، لم يعد أحد يتذكر أشجار...
1
الرجل التسعيني الذي منع عنه أولادُه مشاهدةَ الأخبار بِرًّا به وحقنًا لدمعته الغالية...جرى ذلك منذ سنوات حفاظَا على صحته ونفسيته.
قبل أسبوع، تسلّل أحدُ أحفاده ، ودسّ تحت اللحاف شيئًا مهرّبًا، ربت الجدّ على رأسه الصغير شاكرًا. في وحدته، يفتح الجوّال اللوحيَّ المليء بالتطبيقات والقنوات، بحزن...
تتبع الطفل أغلب الأشرطة التي نُشرت حول الملعب الذي تم تجديده، وأصبح حديث العام والخاص في وسائط التواصل الاجتماعي. وكان في كل مرة يجلس بجانب والده، ويفرجه على هذه الفيديوهات..
والده محمد شارك في بناء الملعب إلى جانب عشرات العمال. حوالي عام وهو يستيقظ باكرا.. يأخذ معه وجبة الغذاء التي تهيئها...
كعادتي في الأعوام الأخيرة، أحتفل وحدي بعيد ميلادي. أقنع نفسي بأنني أفضل هكذا. لا زوج ولا أولاد. أستعد للحفل منذ عدة أيام. اشتريت لنفسي كعكة صغيرة من محل الحلويات الشهير. نصفها مغطى بالكريمة البيضاء، والنصف الآخر مغطى بالشيكولاتة. لم أعد أشتري شمعا منذ أن قررت أن أضع شمعة وحيدة في منتصف الكعكة...
قال لي بائع التذاكر:
- أتذكر أني رأيتكَ البارحة هنا، أليس كذلك؟
- نعم، لقد وصلتُ المحطة متأخرًا، فاضطررت لتأجيل الرحلة.
قاطعني مندهشًا:
- ألم تسمع نشرة الأخبار؟ ألم تقرأ الصّحف؟!
نفيتُ بهزةٍ من رأسي، لكن لم يمهلني طويلًا، إذ قال وكأنه يسردُ فيلمًا سينمائيًا:
- ليلة البارحة، بعد ساعة من موعد...