لطالما كنت، ولم أزل مفتخراً بأبي شهريار. كيف لا أفتخر به، وهو ملك زمانه، وملك الرجال الذين يعرفون عنه أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم، في رجاحة عقله، وسياسته مع النساء، ودمه يجري في عروقي؟ وإذا كنت أكنُّ الود والاحترام والتقدير لأمي شهرزاد، وأبرّها، كما أقدَّر خالتي دنيازاد، وكذلك، فإنني لا أخفي...
هناك أشخاص، حين يعبرون الحياة، لا يتركون خلفهم ضجيجاً، بل آثاراً صامتة تشبه بصمات الأصابع على الزجاج، لا تُرى إلا في الضوء، هؤلاء هم البناؤون في الخفاء، من يضعون الطوب فوق بعضه لبناء جدار الحياة، دون أن يطلبوا شكراً أو ينتظروا تصفيقاً، وأنتِ أحدهم..
كنتِ أنتِ الأرض الثابتة حين اهتز تحت أقدامنا...
مازال الحُلم يعاودني وكأنه يريد أن يقفز من عالمه الخيالي في راسي إلى عالم الحقيقة والواقع.
أحلم بدارٍ واسعةٍ لها حوش كبير؛ ليلعب فيه أطفالي على راحتهم بلا قيود أو خوف عليهم من الغرق في الروزافة الكبيرة التي يغرق فيها الكبير والصغير.
أحلم بجزء منفصل للفرن والمحاصيل، أحلم بحظيرة كبيرة لأربي فيها...
بعد مضي أشهر قليلة على زواجنا، بدأتْ النزاعات بيني وبين زوجتي.
لقد تشاجرنا حول قنوات التّلفاز ورنة هاتفي المزعجة، ومجفف شعرها العاطل منذ أسابيع، وجارتنا الأرملة الجميلة، التي ما تزال في مقتبل العمر!
تشاجرنا حول أخواتها الفضوليات، والعقربات أخواتي.
سأكتبُ عن المؤامرات التي حاكتها أمي لإفشال هذا...
أنا عمّ وهبة.
عامل نزح آبار.
اسمي لا يُدوَّن في الأوراق الرسمية، ولا يُذكر في نشرات الأخبار، لكنك إن سألت عني في شارع العزب، في حيّ المندرة، أشاروا إلى أسفل، وقالوا:
"هناك، تحت الأرض، يعمل وهبة."
في كل بيت بئرٌ للصرف الصحي، حُفرت قديمًا قبل دخول المجاري العمومية.
ومع مرور الزمن، تختنق الآبار،...
في مدينةٍ ساحلية تهدهدها الأمواج، وتغسل شوارعها رائحة الميناء والملح، كانت “جورجيت” تمشي، لا تزال ممشوقة القوام، بيضاء البشرة، شعرها الذهبي المائل للبني ينسكب كشلال على كتفيها العريضين. ترتدي تنورة سماوية وبلوزة من نفس اللون، كأنها على موعد مع حبيبٍ غائب، أو أن الجمال والأناقة قررا ألا يفارقا...
عصفور ينقر نافذتي عند كل يوم جديد ، يتحرك من اليمين إلى اليسار ، يحمله رفُّ النافذة الصلب ، صورته تتحرك معه نقراً وزقزقة وتوقفاً أمام ريشه الزاهي ممزوجًا بأسى الانتظار ، ينقر شبيهًا له ،ثم يطير هرباً عندما يشعر بحركتي الخفيفة وراء الستارة والزجاج العاكس.
كان عليّ تحذيره من عاقبة الحب من...
كان لانتشار كتابها وقعٌ يشبه تصدُّعَ صمتٍ قديم. كأنَّ جليدًا انساح من أعالي الهيمالايا، فانشقَّت الصخور، وتردَّد رجعُها في كل بيت. لم يَعد الخبر مقتصرًا على المجلات والصحف وبرامج "التوك شو"، بل صار جزءًا من الأحاديث اليومية، كما لو أنَّ الناس وجدوا في كلماتها مرآةً تميل وتُشوّه وتُرِي...
حين حطّت قدماي على أرض القاهرة ولأنّي من زمرة المتأدّبين أي هواة وغواة الأدب،ففي رأسي عناوين،مقهى الفيشاوي،مقهى ريش،جروبي،فرُحت أضرب الخطو بحثاً عن زبونٍ قديم،ولم أعثر على ذلك الزّبون،كُلّهم جددُ أو متجددون،هكذا يتغيٍر الزمان ويهجر قدماء الزبائن المكان،وتتبخّر الآثار بفعل معطّرات الجو،وتشعرّ...
ضربتها غيرة حمقاء فهجرت صامتة، بعد ان القت برسالة حزينة، الغت فيها العهود وسحب سفراء الأشواق،
وزرع متاريس الفراق،
وصف جند الكبرياء،
لديها قدرة مدهشة على اعادة السفراء والعلاقات فى دبلوماسية هادئة،
أربعة أعوام عمر زواجهما
لم يثمر عن اطفال، امتثل فيها لتصاريف الاقدار،
لغتها بكماء صمتها هامس؛...
تعالى صياح (خديجة) من آلام المخاض، كان صراخها مدوياً كأنه الرعد، قالت لها جارتها بصوت متوتر: ـ هيا.. ادفعي بقوة.. ادفعي.طفقت إحداهن تمسح ما يتصبب من العرق على جبينها، تمتمت باضطراب: ـ يا رب.. كن في عونها يا رب.ارتفع في المكان بكاء الطفل، حملته إحدى النسوة ثم قالت بخيبة أمل: ـ رباه.. إنها...
يزورني كلّ صباحٍ طائرٌ صغير، لا أعرف اسمه، ولا من أيّ غصنٍ جاء، لكنه يعرف طريقه إليّ كما يعرف القلب من يحبه، يقف بثباتٍ على سور شرفتي، كأنه يحمل رسالة لا تُقال بالكلمات، بل تُترجمها النظرات والأجنحة التي ترفرف بخفة على أطراف الغياب.
أراقبه في صمت، وأشعر أنني أعرفه… ليس كطائرٍ عابر، بل كظلٍ...
يسير بخطا سريعة ، وكأنه يسابق الريح ، قدماه النحيفتان تطوي الارض طيا ، هو شاب في الثلاثينيات من عمره ، اسمه علي ، متوسط القامة ، نحيف ، اسمر البشرة ووجهه طويل ونحيف ، يرتدي بنطلون جينز ازرق و تيشرت اسود وشوز اسود ، شعره ( هيبس) ولحيته طويلة ، خرج لتوه من محطة مترو السادات وعبر ميدان التحرير ودخل...
براحة يده كان يمسح التراب عن صخرة نصفها مغروز في الأرض، ونصفها العريض كواجهة لوح كتابة، يظهر للعيان، ظهرت خطوط متداخلة ومحفورة بعد إزالة الغبار عنها. ماسح الغبار كان في عمره الثلاثيني ، موفور الصحة.
طباعة فنية لضبعين موقعة للفنانة هينا لوينا
اقترب منه أحد الضباع المنتشرة في الجوار:
-جئت...
في مساءٍ يختلط فيه الصمت بالرجاء، وتنزف فيه اللحظة ببطءٍ عطِر، جلست على حافة العمر امرأةٌ لم تعد تنتظر الكثير. لم تطلب من الحياة مهرًا جديدًا، ولا وعودًا طويلة الأمد... فقط لمسة دفء، تنقذ ما تبقّى منها قبل أن تذوي تمامًا.
ذلك المساء، بدا كل شيء أشبه بترتيل صلاة خافتة. رتّبت تفاصيل البيت...