قصة قصيرة

كان يحبّ المطر حبّا جمّا. إنّه يبتسم الآن من تحت تربته، يبتسم بلا شكّ ملء صدره وملء الرضا وهو يصخي السمع للهطول الغزيرة التي تبلّل ثراه، لطالما خصّ أولى أمطار الخريف بالشوق والانتظار، واستعدّ لها بطريقته الخاصّة والفريدة. تبدأ استعداداته في العشريّة الأخيرة لشهر أوت، فينقطع لتفريغ الفسقيّة التي...
تلك أيام، كانت، وكنا، في ردائها السحري نحيا، نتقلب، نمزج صوت الغدران والجداول والاودية وهي تخرخر بأنفاس السرو والصنوبر، تتلألأ، بانعكاسات متقلبة رجراجة، ترسل إشعاعات من لمعان متذبذب قصير متواصل، فتخاله أنوار ماس مصقول بعناية ودفء وحذر وعشق، تنشده البلابل المتوضئة بنعومة الندى المخملية، وانهمار...
ضيقت عينيها وقالت: أنت لم تحتفل بعيد ميلادك ولا مرة. كان واضحًا أنها تتكلم باهتمام، وتريد إثارة انتباهي للأمر الذي بدا لها غريبًا؛ لكنني لم أتوقف عن ملء الخانات البيضاء في الكلمات المتقاطعة بالجريدة، فظلت تتكلم، قالت: ألا ترى أن الأمر يستحق الاهتمام، لكنك فاقده. هل تستطيع أن تقول لي، ما اليوم؟؟...
القصر السرى احتوانى وأخذت كل الوقت فى البكاء أتوقف كثيرًا عند صوت هيام حموى فى إذاعة مونت كارلو .. ليست مجرد تذكارات..! .. لم تكن مجرد حصاة محدبة، اهتزت اللحظة، غبت عن الوعى. .. لم أتيقن من الذى يصرخ، يصمت؛ إلى أن يعاود الثرثرة والصراخ. رأسى، إذا كان هو ما أعرف تفاصيله، انفجر، أتابع...
في بيتٍ بلا دفء، ولا رحمة، تعيش الطفلة ‏بسنت وأخواتها تحت بطش والدٍ عنيف، بعد أن ‏تركتهم أمهم هربًا من قسوته. يمارس عليهن العنف الجسدي ‏والنفسي بوحشية، حتى بلغ الأمر حدّ قتل إحداهن - بَسَنت - تحت وطأة ‏التعذيب. في زوايا هذا العالم، ما زال هناك أطفالٌ يخوضون معارك ‏يومية من أجل البقاء، لا...
اسف غاليتي .. غالية.. لن اتمكن من زيارتك، ليس لأنني لا اريد تلبية دعوتك، فانت تعرفين ان قدمي حفيتا من كثرة ما داستا على دروبك الصعبة، الموصلة إلى مغارتك السحرية. انني الان اتذكر تلك المشاوير التي امضيتها وانا اسعى الى مغارتك لاطمئن على انك ما زلت هناك. كنت حينها ارى الضوء الخافت ينبعث منها...
طرْقٌ على الباب. كنت غارقاً في النوم.الساعة الثالثة فجراً. غريب. أمضي إلى الباب متثاقلاً، قلقاً، أفتحه بعد تردد، وقد تكرر الطرق. اثنان على الباب، يرتديان بذلتين داكنتيّ السواد، يصعب علي تميّز وجهيهما. -تأخرت في فتح الباب. التبس علي أمرُهما. بدا لي أن الصوت صادر منهما كليهما. عجزتُ عن التحديد...
لا أستطيع أن أبعد نظري عن هذا القابع فوق المانيكان الخشبية المقيتة، تلك المانيكان التي أسمعها في بعض الليالي تسخر مني وتمدح نفسها بكبرياءٍ وغرورٍ؛ لأنها تستمتع بتلك اللمعة وهذا الكم من الأصداف والكسرات التي تحدد الوسط وتبرز دورانه بدقة شديدة، لا أعرف كيف تتحمل حياتها وهي مجرد قطعة من الخشب...
ليس الان، أو ربما في وقت اخر ، تتناغم الدقائق، تنسل كخيط عنكبوت من بيته المقلوب على سطح الغرفة الساجي ، قد ابوح بكل شيء، أو أختصر كل شيء، او عن أي شيء، انها اللحظة التي كنت انتظرها لعشرين عاماً. منذ أن امسكت الحكاية وانا أفكر من داخل علبة معدنية أغلقتها بإحكام، ثمة من يركلها بقدميه، أو من يضعها...
دخل عبد الله إلى المنزل، وتوجّه مباشرة إلى الغرفة.. جلس وشدّ رأسه بين يديه.. سألته زوجته: ـ ما بك ياعبد الله؟ عدت باكرا!.. وتبدو واجما ومهموما على غير عادتك؟ طلب منها أن تتركه الآن.. سيحكي لها فيما بعد عن حاله.. وبرر ذلك بأنه يشعر بصداع قوي في الرأس، ويحتاج إلى قسط من الراحة... خرجت وعادت من...
لم يمض على رحيل تشارلز داروين، صاحب " أصل الأنواع " يوم واحد، حتى تم إخراجه من قبره بعملية هيتشكوكية بارعة، من قبل ثلاثة من القردة، وحملوه سريعاً، إلى حيث ينتظرهم كبيرهم. مانا، بيني بوخالتر، 2021. أكريليك على قماش، 81 × 65 سم. كان داروين غارقاً في نوم عميق، وتنبه على الجلبة الحادثة في...
تلك التفاصيل التي صنعتنا. في طفولتي الأولى، لم يكن الطريق نحو دُكّان الحلوى سوى معراجٍ سرّيٍ يعبر بي إلى مجرّةٍ نائمةٍ خلف سديمٍ متلون من غبارِ الأزمنة، كان يُغلّف دكّةً خشبيةً أنهكها وقوفها في مهبِّ الخيال. أمّا العملة التي في راحتي الصغيرة فلم تكن سوى شظيّة من نجمٍ تفتّت ليلةَ البارحة حين...
طريق ترعة المحمودية، عربات النقل الكاميون تمر عليه ليل نهار، تلتحم بذاكرة الإسكندرية، على جانب الطريق، وبالتحديد عند سور حديقة النزهة الصامت نبتت عِشّة أم صابر من الطين، لا يعرف أحد متى ظهرت أم صابر، كما لا أحد يعرف متى وُلِد صابر، ذلك الفتى الأسمر النحيف الذي يناديها باسمها، وتُناديه كما يُنادي...
حتى وهو نائم على بطنه كالعادة. المخدة فوق دماغه، والأحلام لم تتبخر بعد. سيرصد طقوسها الصباحية، طقساً.. طقساً. هذه الساق المعطوبة بتمدد الدوالي وتورم الأطراف، الشبشب العتيق الذي مازال قادراً على تحدى السيراميك، هذا السيراميك الذي احتل الأرض كلها وراح يهددها بانزلاق قدميها المتعبتين. إنها...
في غمرة الصمت المختلق، جلست حنان على شاطئ البحر تتطلع إلى الأفق، حيث لحظة الغروب تزيل بقايا أضواء النهار. بدا البحر لها كمرآة مائلة، تنعكس فيها ظلال لم تُفكك بعد. كانت تتأمل الغيم وهو يتبدد على أطراف السماء، وكأنّه ينسحب بهدوء تاركًا مساحةً للشعور كي يتكلم. في داخلها، كان الشوق ينسج وردة من...
أعلى