قصة قصيرة

اختفت جميع نُسَخ " ألف ليلة وليلة " من المكتبات العامة والخاصة اختفت من بين أيدي باعة الأرصفة وهم ذهولٌ اختفى حفظتها عن ظهر قلب من دون مقاومة تُذكَر بقيت المدن التي شهدت ولادة حكاياتها بقيت أشباح شخوصها وكائناتها وأطيافها بقيت أصداء رواتها بقي حكواتيوها وقد فقدوا ذاكرتهم بقي الذين كانوا...
إلى " مقيم" على الغربة اقترب من سيارة فارهة كتلك التي تزور الناسَ البسطاء في أحلام اليقظة، انتظر انفراجَ الزجاج، مدّ يدَه وفي شفتيه عبارة أو عبارتان تشبهان الدعاء بالخير. في الثواني القليلة التالية توارى الكلام، وأنصتت الكفُّ الممدودة انتظارًا، اطمأنّ والرجل يبحث بين أشيائه باهتمام، ها هو...
في كل مجازٍ من طياتِ الزمان، هناك معبر ضيق نتسربَ منه كأنّه دعاءٌ قديمٌ علقَ في ذاكرةِ الأرواح. ولهذا وأنا أكتب عن ذاكرتي الماضية بكل ذلك التوق الماثل أمامي . فما من شذا أستوطنَ حواسَّ الطفولة كما أستوطنت رائحة خبز خالتي "بلقيس" وتنورها الدافيء، تلك التي كانت تُباغتُ الزقاقَ كله بعبقها قبل...
صرخت القطة لثلاث ثوان فقط، قفزت خلالها قفزتين قبل أن تهمد تماما في منتصف الشارع، استعاد الكون هجوعه، وواصلت ظلال الأشجار وأعمدة النور استكانتها، الوريقات المتساقطة تغادر الأشجار بتكاسل، تكتم حفيفها وببطء تفترش الأرض، أرقبها وأحكم إغلاق سترتي الجلدية، لم تفلح الإضاءة الشحيحة في التخفيف من غبشة ما...
عدتُ إلى البيت متأخرًا، خلعتُ قميصى، إستعدادًا لإرتداء ملابس النوم، ففوجئتُ بإبن عمى الصغير، يصيحُ فى هلع: أمي تتشاجر مع عيدة, وعيدة هذه جارة عمى، والدُها شريكٌ عمي في البيت، إشتريا الأرض معًا، وقاما ببناء البيت، فتركَ الرجلُ ما يخصُّه لإبنته عيدة لتتزوجَ فيه. البيت دورٌ أرضىٌّ مبنىٌّ بإمكانياتٍ...
تأملتْ عينيهِ الرائعتين قبل أن تقول له: - مارأيكَ أن نمارسَ اللعبَ معًا؟. من دون أن يجيب .. أبدى حماسًا!. أردفتْ: - لنطلق إحساسنا للأمنيات المستحيلة. - كيف؟ سألها. - هل تخيلت نفسكَ بلا صوت؟. ردَّ بعد تفكير: - لولا أنني ما أنا الآن لكنتُ صديقي الذي حرم من نعمة الكلام!. - ذلك لا يمنع أن...
في صباح جميل، ينسج الطقس من دفئه موسيقى الحنين. على سور الشرفة، في فناء المنزل، جلست قطة الغاب على حافة الزمن، شامخة كجبلٍ أشمّ، يحيط بها صمتٌ يحوم باحثًا عن صرخة ضائعة. تحدّق بعينيها بترقّبٍ حادّ، مترصّدة لحظة الانقضاض كما يفعل نسرٌ يحلّق في السماء، تلتقط عيناه الفريسة من علٍ، محددًا...
"1" كانت ليلة باردة مظلمة...... الفاتح من شهر شباط تاريخ سيبقى محفوراً في ذاكرتها رغم فوضى الملفّات فوقه وتحته، فكأنه ومناخ هذه الليلة فيصل عالق بين الشتاء والربيع. فتحت جهينة الباب بهدوء تامّ، خشية أن يفضحها صدأ الأيام على مفاصله، فيئزّ متواطئاً مع جبروت أخيها وضعف أمّها، وحتى مع حطام الأحلام...
إلى ثريّا الدّريدى حين التقينا بالحافلة 4c، فى طريقها إلى الرّازى: مستشفى الأمراض العقليّة بمنوبة. كنّا تلميذتيْن نجيبتيْن نتقاسم كلّ شىء، العزم والنّجاح والوطنيّة والأخوّة. سحب الصّندوق المزخرف من تحت أغطية صوفيّة مرصّفة على الجهة اليمنى من غرفة مستطيلة الشّكل. حمله بين ذراعيه وتمايل إلى...
لم يبدأ الأمر بانفجارٍ كبير، ولا بحادثة تليق بأن تُروى، بدأ بصمتٍ صغيرٍ تسرّب إلى الأيام، ثم اتّسع حتى غمره فلم يستطع التنفس، لم يكن يعلم متى أصبح شخصاً يراقب الحياة من خلف زجاجٍ باهت، يعبر الشوارع كأنه عابر سبيلٍ في مدينةٍ لم تولد له. شيئاً فشيئاً، صارت الوحدة رفيقته، وصار انهياره في العمل هو...
للوهلة الأولى حين رأيتها أحسست بشعور عاصف يتملكني نحوها، تعاطف، يشدني إليها وهمس رنين عذب يدفعني للطبطبة على ما بها من أحزان بادية للعيان، تفتقد الأنس والأمان، هذا ما تبثه نظراتها الحزينة، تصارع طواحين الوحدة بذراعيها ولا تستطيع اللحاق بقطار البهجة ولو حتى من"السبنسة" في خيالي امرأة غير...
انطوى كما الأيام الجميلة، سرقها لصوص الزمن في بلاد تصلب أولياء الله فوق جذوع الشجر، تحتفي بالعابرين فوق الفرش الحمراء، ماكينات صوت فارغة. تقلب في فراشه، لم يحظ بساعة نوم هانئة منذ ذلك اليوم الذي احترق فيه أمله، ظلت تلك الذكرى تنهش قلبه وتنزف كلما حاول نسيانها، ارتحل بعيدا؛ فالمنافي أوطان...
في تلك الليلة، كنتُ أجلس في مقهى محايد، لا يطلّ على شيء سوى الفراغ. أمامي فنجان قهوة لم أرتشف منه سوى رشفة وحيدة، وكأنني أخشى أن أفسد حرارة لحظة انتظارٍ مجهولة. كان المكان شبه خالٍ، سوى من رجلٍ بدا عليه التيه، يدسّ يديه في جيوب معطفه المتآكل من صقيع السنوات، ويمشي كأنه يبحث عن ظلٍّ قديم. اقترب...
وأخيرًا، جاءت الموافقة التي كنت أنتظرها. رفعتُ ذراعي للأعلى كإشارة للنصر قبل أن انتقل بإصبعي إلى حقل الرسائل الخاص به، بعثتُ للصديق الافتراضي الجديد لوحة ورد مكتوب عليها شكرًا لقبول طلبي. أعدتُ قراءة بيانات ذلك الصديق لعلي أجد شيئًا جديدًا غير كونه أرمل ويملك محلًا لبيع الملابس النسائية، وجدت...
كان الحجّ علي من كبار الملّاكين والمزارعين في قرى الروحة وله أراضٍ ورثها أبًا عن جد، وكان تاجرًا معروفًا للعنب في أم الشوف وقنير وخبيزة وصبارين، يشتري منتوج العنب من كروم المنطقة ويبيعه في سوق حيفا وخمّارة زمّارين، ويسمح لفلّاحي المنطقة بأخذ أوراق العنب لورق الدوالي، وما تبقّى من العنب يتبعّرونه...
أعلى