ترك رفاقه الجنود، وانسل إلى داخل بيت رُدم جزء منه. لم يهتم بندائهم عليه باسمه شالوم. يريد أن يتسلى، أن يرى كيف يعيش هؤلاء الناس أعداءه، ويشمت بما حل بهم، وأن يحصل على شيء للذكرى.
دفع بقدمه الباب وتقدم قليلًا. طارت أمامه حمامة، جفل وتراجع إلى الخلف، ضحك من نفسه. دخل غرفة كبيرة. شعر بالخوف، مع أن...
نحن من نصنع الأحلام في قلب طفل ونعلّمه أنْ لا شيء مستحيل، ونوقد مصباحاً سحريّاً رغِبْنا جميعاً في امتلاكه، لنصحو بعدها ونتعلّم الصمود بهذه القسوة.
عنده أحلام- قد تبدو للبعض بسيطة جدّاً- كحقيبة مدرسيّة بعجلات –مثلاً، لأنّه كان يشكو من ثقل تلك الحقيبة، وطريق مدرسته كان بعيداً، طفل لم يتجاوز...
أسمعم وأراهم.. الجميع يجري ويلهث ويحاول.
التقط بعض الكلمات.. النبض.. القلب.. توقف.. صدمات كهربائية.
السؤال الوحيد الذي سيطر على عقلي:
كيف أنجو من هذا الجنون؟
العاصفة تقترب، الرؤية مشوشة، والاهتزازات لا تنتهي.
وسط الفوضى لمحتها… خيمة حمراء وحيدة في صحراء صامتة.
لا وقت للدهشة، صارت هي الغاية...
استلمتُ ورقتي.
من عادتي أن أُغمض إحدى عينيّ وأنا أمرُّ على الأسئلة بسرعة. أتفاءل بأنني أعرف الكثير، والقليل الباقي يُمكنني الاجتهاد فيه، مثل سؤال العشرة سطور.
اثنان من المُراقِبين يقفان بحزم وسط طُلاب اللجنة المُوزّعين في المُدرَّج. أقرب زميل لي يبعد ما لا يقلّ عن متر ونصف. نظرتُ إليه فرأيته...
طريق ترعة المحمودية، عربات النقل الكاميون تمر عليه ليل نهار، تلتحم بذاكرة الإسكندرية، على جانب الطريق، وبالتحديد عند سور حديقة النزهة الصامت نبتت عِشّة أم صابر من الطين، لا يعرف أحد متى ظهرت أم صابر، كما لا أحد يعرف متى وُلِد صابر، ذلك الفتى الأسمر النحيف الذي يناديها باسمها، وتُناديه كما يُنادي...
منذ عكوفه على القراءة اكثر وقته وولعه وشغفه الشديد بها ، فملأت عليه أقطار نفسه لم يعد سليم الشريف: لسابق عهده، ولم يظل العالم في تصوره كسابق عهده من البساطة وخلو من التعقيد لكونه فقد :براءة تجذرت بداخله على مدي عقود كونها :تصور جميل عن الحياة والناس والأشياء من حوله ، حملق بعد القراءة في كل...
كانت تجلس على المقعد الخشبي القديم في الحديقة المطلة على البحر، والنسيم يمر بخفة بين أشجار الكافور والنخيل، يترك خلفه رائحة الملح مختلطة بعطر الأزهار. أمامها كتاب مفتوح، لكن عينيها لم تستطع أن تركزا في سطر واحد. كانت غارقة في صمتها الداخلي، تائهة بين ما مضى وما لم يأت بعد، وكأنها تبحث عن علامة...
بعد طلاقي، عدتُ إلى ممارسة العادة التي أحبها ألا وهي الكتابة فوق السرير.
لستُ متأكدة إن كان السرير أكثر رحابة من المكتب أم أنني فقط أبحثُ عن حضنٍ لم يعد موجودًا.
تمددتُ كما كنتُ أفعلُ قبل عامين، قلتُ في نفسي: لا بأس، ليكن أول ما أكتبه ردّا على رسالة طليقي الأخيرة.
نعم، لقد كتبَ لي رسالة ورقية...
رأيته لم يغير مكانه، رغم تغير كل الأشياء حوله، الناس والمركبات والشوارع والكافيهات والمحلات ولوحات الاعلانات الراقصة تحت أضواء النيون الصارخ، دوما يختار ركنا قصيا فى آخر الممشى، معانقا آلة الكمان التى بليت كملابسه، يحملها فوق إحدى كتفيه، مربوطة بشريط من الستان الأسود،
فى لون الحزن المنساب لحنا...
تتسلل شمس الظهيرة من خلف ستائر الصالون، فترسم مربعات من الضوء على الأرض، وتُلونُ وجه الأب الشاحب ببقع صفراء باهتة. جلس في صمت، وأصابعه المتشابكة ترتعش فوق ركبته، وعينيه تنظران نحو الشاشة الصامتة للهاتف المحمول. ستنطلق النتيجة منها في أي لحظة، كطلقة مدفع، إما مبشرةً بالنصرِ، وإما ناقوسًا للفاجعة...
روبة ابنة القهر واليتم ، عاشت وحيدة منذ أن أغمض والداها أعينهما على دنيا لا ترحم . تركاها في بيت الإخوة ، وبدل أن يكونوا لها سندا، صاروا قيدا لها ، يضايقونها ويقهرونها . بلغت ربيعها السادس عشر، ومن غير رغبة منها ، زُفّت إلى رجل يُدعى صفوان؛ رجل جشع بخيل، لا يعرف في قلبه غير القسوة، ولا في عينيه...
ما هذا الكلام الفارغ؟
هكذا صدمتني كلمات أبي!!
صحتُ في حماس:
ــ "يا أبي… هذه مقاطع من أحسن كُتّاب الإسكندرية!"
أزاح أبي الكتب جانبًا وقال بلا انفعال:
ــ "هؤلاء مجرد ناس نرجسيين، كائنات فارغة، لا موهبة، ولا لغة، ولا قيمة، ولا حتى حدثٌ شيقٌ مسلٍّ.
هؤلاء لا يعرفون حتى كيف يحكون حدوتة لطفل. الأدب...
وُلد عتريس الأهوج في قرية نائية لا تعترف بها الخرائط، ولم ترصدها الأقمار الصناعية، وباسمٍ عجزت المعاجم عن نطقه.
قيل إنه وُلد في موسم أغار فيه الجراد على المحاصيل، وكأن قدومه جلب الشؤم فأصابته العنة الجوع والنهم .
هيئته المتخمة وملامحه الممسوخة ظلّت عالقة في ذاكرة أهل القرية، الذين لم يجدوا له...
لم يكن شارع الجواهر بحي الحضرة في الإسكندرية، قرب كوبري الإبراهيمية، بحاجة إلى لوحة إعلانية كي تدل المارين على قهوة الدمرداش التي تتوسطه، يكفي أن يتسلل إلى أنفك عبق الشاي المغلي على مهل فوق كانون الفحم، فينقاد إليها قلبك قبل قدميك، الدمرداش لم تكن مقهى إنما مرسى الأرواح المتعبة، وواحة شعبية...
فجأة، اخترق ضوء مصابيح سيارة زجاج النافذة الوحيدة وداهم الظلام، ليكشف ما بدا كتمثال لشاب مغمض العينين، يجلس على بقايا مقعد بلاستيكي ممسكًا رأسه بكلتا يديه..
وكأن الضوء الإشارة المتفق عليها، صرخ التمثال فجأة: وجدتها، وشق الصمت..
ثم تحرك وقطع السكون، صفق باب المنزل القديم خلفه، انطلق يعدو بكل قوة...