-"أين حفيدي؟"
-" انتظري دورك!! ألا تر…"
-" دعها تدخل .. لا نمانع ذلك".. يقاطعه عمر ود سمرعول، بصوته القوي، وهو يقف على رجل واحدة، بينما يُريح ركبته مقطوعة الساق على عكازه ، لكي يريه أنه من جرحى حرب التحرير، ومن المفترض أنّ لكلامه أهمية.
-" لا أحد فوق القانون! ولا كبير لدينا… هل هذا واضح...
وهو يجمع ملابسهم من غسيل الأمس ويجتهد أن يدارى تمزق الجلباب تحت الابطين ، آتاه صوته من عمق الحجرة .. لم يعد يليق بنا المكان ، لقد حان الوقت للرحيل.. فى الداخل قادته قدماه الى مقعد لحقه من ارث ابيه ، فى صمت راحت عيناه تتأمل النجوم التى تعتلى أكتاف زيه الرسمى الجديد المهتز مع حركة دوران هواء...
لا أدري إن كنتُ صائبةً فيما أخفيته عن زوجي المثقّف، شديد العمق والملاحظة، من سرّ!
في العاشرة مساءً، وبينما هو يقرأ في كتابٍ ما، وقد اعتلتْ عينيه نظّارته الطبية اللندنية، أوجستُ خيفةً أن يلحظ اضطرابي وشرودي، فيسألني: "هل هناك ما يشغلُكِ؟"
كنتُ على حافة الوقوع في إخباره، بعد رؤيتي لتلك الابتسامة...
رآها في محْفل من جمالها، تخْطُرُ وسطَ جيشِ مفاتنها، وجد نفْسَه، وبخاطر أزليّ، يتوق لقطف بعض الكرَز؛ عند ذلك، قرّر أن يحدّثها عن الليل والحياة؛ أصغتْ باهتمام، وبدتْ كمَنْ يرتشف كلماتِه، فأرسل رؤاه:
- في الحُلم الأخير لي، رأيتُ إحداهن، تقضِي، وبحركة خاطفة، على صمت الشفتين، وفي الحُلم الذي قبله...
أسير في الشوارع بحثا عن فلسفتها ، كأي جوال متمرس ، اريد أن اشم روائح النساء الوحيدات الحزينات ،المقهورات ، اللواتي يعزفن على الاسفلت باقدام متعبة، موسيقى الرغبات الدفينة، انثر قدماي مثلهن على الاسفلت ، وانظر الى شمس الغروب وهي تغسل الاشجار بآخر ما تبقى لها من غبار ذهبي ، احمل سنواتي العجاف وانا...
كثيراً ما كنت أشاهد الست "فريدة" أثناء مرورها من الحارة، بينما ألعب مع الأولاد...
ووقتها، كنت أتوقف عن اللعب، وأنظر لها مندهشاً من جمالها، الذي لم أر له مثيلاً..
وأغيب في سحر عيونها الخضر، وهي تنظر لي في عطف..
وكنت أشعر بالرهبة، إذا تقدمت مني وسألتني عن حالي، أو حال أخوتي..
وأظل طوال الليل – قبل...
قبل دقائق من شروق الشمس، أتوجه نحو مكاني المعتاد، اللسان الصخري المؤدي إلى قلعة قايتباي. أجلس على المقعد القماشي القصير، وأخرج عدة الصيد، أفرد بوصة الصيد المطاطية المرنة، أمرر الخيط النايلون الرقيق، والقوي برغم هذا، من الحلقة العلوية، وفي الجزء الأخير من الخيط، أثبت كرة الفلين الصغيرة، وقطعة من...
بالأمس شربت من البحر. نعم، كما أقول لك تمامًا، لم يكن حلمًا ولا استعارة، إنما فعلٌ حقيقيٌ ماديٌ له ملحٌ، وله لذعةٌ، تعود بي إلى الخلف كأنها تستعيد الطفولة.
في هذا اليوم خرجت وحدي من البيت قبل الغروب، لا وجهة لي سوى أن أتبع النسيم حين يلامس وجهي بخفةٍ ناعمةٍ كما تفعل أصابع الأم وهي توقظ طفلها،...
يتذكر قبل زمن طويل عندما حصل على شهادة البكالوريوس، أنه وصل إلى مدرسة النهضة الثانوية الخاصة في نهاية فترة الاستراحة، بعد الحصة الثالثة. كان الطلاب يقبلون من الملعب الصغير. شاهد المدير عليان ببذلته السوداء بالباب يصيح بالطلاب أن يسرعوا في الدخول إلى غرفهم الصفية. صاح به:
- أسرع يا باشا!
استمر...
المشهد الأول
يفتح الستار ببطء. تصفيق فاتر يتلاشى سريعًا. ثم إظلام تام.
بقعة ضوء تتسلل من العمق، لتسقط على امرأة مستلقية على كرسي خشبي
قديم، في حجرة متواضعة، تنظر إلى الفراغ بذهول
المرأة تحدث نفسها بصوت خفيض: أخبروني أنه لن يبقى في مستقرّه الحالي.
ما كنت أظنه أبديًا لم يعد كذلك. مهلة شهر؟ شهران؟...
اقتادوه مكبل اليدين من مكتبه في المستشفى... عيون الأطباء والممرضات تتبعه بدهشة وذعر.
صرخ أحد الضباط:
– . أنت مش دكتور سامر… أنت نصاب
ارتجف، شعر أن كل شيء انتهى.
لكن فجأة شق صراخ آخر الممر:
– "ابن الوزير بينزف! لازم يدخل غرفة العمليات فورًا."
تقدّم الضابط بخطوات صارمة، لكن زوجة الوزير قطعت...
كان الصباح باردًا، والسماء تميل إلى رمادية خفيفة. خرجتُ من البيت ممسكًا بيد أبي. كان اليوم مختلفًا، كأنه بداية طريق لا أعرف أين ينتهي. الحارة القديمة ما زالت نائمة، والناس يتثاءبون خلف نوافذهم، لكنني كنت أشعر أن العالم بأسره مستيقظ داخلي.
حين اقتربنا من المحطة، تزايدت الأصوات. ضوضاء متشابكة...
عندما يأتي القطار يترك كل واحد مكانه؛ يعدو خلف العربة التي يخمن أنه سيجد بها موطيء قدم، صراع على الوسيلة شبه المجانية التي بقيت منذ عهد الأجداد، بعضنا يتهرب من دفع الأجرة وكثير يماطلون محصل التذاكر حتى إذا جاءت محطة النزول كان الإعياء قد بلغ به حدا لا يمكن مقاومته، قد يسعد الحظ أحدنا فيرتمي على...