سرد

كما هي الحال في معظم أيام شهر تموز ، كانت هذه الأمسية حارّة ً جدا ً ، وهما يجلسان تحت رحمة دوّامة ٍ من هواء ثقيل ، تنثها حولهما مروحة ٌ سقفية ٌواطئة ٌ. كانا عجوزين مهمومين صامتين . قبل دقائق دلف أحدهما إلى داخل البيت ، وأحضر جريدة ً مطوية ً بعناية ؛ وضعها أمام جاره وصديقه سليم الوزان قائلا ً...
” يموت على شفتي الطلاء، وتنمو مساحات الفراغ، شتاءات متواترات، يتخثر في نهدي الحليب، حين تختزن خلاياي انكسارات ضوء النهار أشتاق لطائر يمنحني أغنية دافئة” المعذبة H.k ثنيات كثيرة في الورقة، يتتبعها وهو يطويها كما كانت، صغيرة ومكرمشة، وآثار عرق، وعطر النهدين عليها. في الصباح تودعها كفه...
(المنام الأول) رأيتُ في منامي: أّنّ وباء كورونا عاد مُـجدّداً فاختطفت يده الـمخاتلة قريبي الـمُقرّب (ف) وأضجعته لأيام على السرير الأبيض، إلا أنّ الوباء لـم يـُمهله أياماً إضافية في الـحياة حتى انطلقت الرسائل الكثيفة من هاتف النّاعي لتُفجعنا بـخبر موته الثقيل على نفوسنا التعبة من كمد الـحياة...
الأرض صغيرةٌ، وصغيرةٌ جداً.. وإلّا كيف له أن يُقابِلَهُ، بعد كل هذه السنوات، وبهذه الصدفة الصادمة! منذ أن حصل على شهادته العليا، وعاد ليدرِّس الفلسفة والمساقات الثقافية في الجامعة، وهو مُنْكَبٌّ على أبحاثه، يُتابع محاضراته، دون أن يتدخَّلَ في الشأن العام وما يصْطَخِب في الشارع السياسي. ولكن...
يمكننا الآن أن نأخذ وقتا مستقطعا بين تهافت الحكايات وكؤوس الخمر المضروبة ، تلك التى تلعب بالرؤوس ، حيث تئن الطاولات تحت لمبات بضوء خافت لمقاعد تزدحم بالعابرين ؛ ويمكننا أن نقدم إيضاحا هامشيا ، ربما يجذب السيد من وهاد التقوقع عندما نجمع ذلك الشتات داخل البرواز ، وندفع به إلى آفاق التجلى ،...
لم يكن سامر يعرف متى بدأ الأمر تحديدًا، لكنه يتذكّر أول مرة لمعت عيناه في عينيها، وهو يتهجّى قصيدة للمتنبي. ميس رهف، معلمة اللغة العربية، كانت تُلقي الكلمات كما لو أنها تنبع من مجرى سري، تسقي أرواحًا جافّة وتعيد للغة وهجها الأول. في تلك اللحظة، شعر أن شيئًا دافئًا انفجر بداخله، كأن قلبه خُلق من...
قرر عبد الحميد البحري أن يتقدّم بطلب عضوية اتحاد كتّاب مصر. كان قد أصدر مجموعة قصصية لاقت بعض التصفيق وبعض الهزّ بالرأس من رواد ندوة قصر ثقافة مصطفى كامل، فشجّعه هذا على خوض مغامرة الانضمام إلى صفوف "الصفوة". في إحدى أمسيات الندوة، استجمعت تركيزي، لأسمع قصته الجديدة، لكن عبد الحميد، قبل أن...
في قريةٍ نائية، حيث يتقاسم البشر والقطط الحياة بكافة تضاريسها ومناخاتها . كان ثمة تقليد يضرب بجذوره في القدم . لكنه يحضر كل عام، في ذات اليوم، كأنه موعد مقدّر. كل ربيع في ذات السنة واليوم وعند الغروب، تتجمع القطط تحت شجرة البلوط العتيقة في قلب الساحة، يراقب البشر من نوافذهم المشهد بصمت لا...
إهداء: إلى القادم بلا اسم الفصل الأول دق المسامير الطاهر مرزوق مابين طحلة ومسطرد تتخبط الآن قدمى. ما بين الزقازيق، وظلام الليل فى الشوارع الضيقة واصلا إلى الحجرة التى أسكننى إياها العم شوقى كنت أتخبط. تعبت ـ يا طاهر ـ وأخيرا تحت صحن من الترمس تنادى. يستوقفك شلن.. بريزة.. يستزيدون...
أقف هناك في تلك البقعة مِن الليل، أتطلّع إلى ذلك الضوء الخافت عبْر الطريق، نوافذ البيت ترمقني، تدعوني للدخول، ثمّة صفير يبدو لطائرٍ يحلّق فوق البيت، يضرب بجناحيه ويطير فى عجالةٍ من أمره، لا بدّ أنهم هناك الآن، ربما يتحلّقون حول عشاءٍ دافئ وهم يثرثرون فى مرح، أسمع أصواتهم كما لو كانت نسمات الربيع...
عندما دقّوا بابنا عند الفجر، لم يكن في صوتهم ارتباك. قالوا إنهم رأوا أمي سلمى في الحقول عند منتصف الليل، تتمتم بكلام غير مفهوم، وتُذرّ شيئًا في الهواء، ثم تختفي بين أشجار الصفصاف. اتهموها بالسحر. قال أحدهم إنها عقدت لسان طفلٍ ظلّ يبكي ثلاثة أيام دون أن ينطق، وقالت زينب جارتنا إنها شاهدت قطة...
لم يكن قرارًا. كان انكسارًا بطيئًا، كصوتٍ يتلاشى في بئرٍ بلا قاع. بدأ حين توقّف صوته عن الخروج، وبقي الكلام حبيس صدره، يصرخ داخله، ويخنقه. حين لم يعد يستطيع البكاء، ولا الكتابة، ولا حتى النظر في عيني أحد دون أن ينهار من الداخل. حين صار الألم أكبر من جسده، والصمت أوسع من غرفته. كان يخاف من...
في أقصى طرف الشاطئ، عند تلك البقعة التي لا تصل إليها ضوضاء المدينة، كان يقف دائمًا. الشيخ... رجل يشبه أطياف البحر نفسها. لا أحد يعرف اسمه الحقيقي، وكأن وجوده لا يحتاج اسمًا. كان يشبه الزمن نفسه؛ يمشي ببطء، وكأن كل خطوة منه تحفر ذكرى في الرمل. ملامحه حادة، صلبة، كأنما نحتها الملح والريح. وجهه...
"بين البحر وذاكرتها، كانت ترسم دوائر، كلما همّت بالخروج،أعادها الموج.نفس الرحيل… نفس الوجع. البحر تغيّر.صار أوسع،أبعد،أكثر صمتًا. هي تكتب. ترسل تعاويذها للماء.تظنه رسولًا،لكن البحر لا يرد. هو يبتلع.يصمت. ينسى. في مساءٍ خافت، هبط نورس.نظر طويلاً.ثم رحل. لكن صوتًا عاد.خطواتٌ تعرفها.يدٌ تلامسها...
يرتدي بدلة رمادية كوجهه، ويحمل حقيبة جلدية كأنها تابوت صغير، يفتحها كل صباح على مكتبه كما يفتح القبر على ساكنه. الآلة الحاسبة أمامه… يضغط على أزرارها بقوة ، وهي تضغط على قلبه في المقابل، دون أن تصدر صفيرًا أو ألمًا يُرى. قالوا له: الرقم لا يكذب. لكنه كذب، حين كتب في تقريره الأخير أن الشركة لم...
أعلى