أكثر من ثمانين عامًا...
هذا عمرها.
وقفت على ناصية الشارع،
تُمسك حقيبة جلدية سوداء،
ترتدي ملابس قديمة... لكن أنيقة،
وتغطي شعرها بطرحة صغيرة،
شحب لونها من كثرة الغسيل،
وتدلّت أطرافها فوق كتفيها كأنها لا تريد أن تسقط…
ولا أن تُنسى.
نادَت عليّ بصوت خافت:
– من فضلك... أم شيماء؟
ثم أضافت:
– بائعة...
الى أبناء عمر المختار
قطراتُ الجمرة تحت البحر تتضور منذ الأزل المُبْهم، هي نطفة السلطان المخلوع، ليبقى على سرج الهتاف وسنابك النصر المثخن بالسباع الصرعى. رآها النسر فهوى مثل السهم النيزك، وبمنقاره الفدائي فثأ اللؤلؤة المحظوظة، فصعدت حتى بلغت السطح المجعّد، وكنتُ أطيش على زجاجي الرخو، فانسربت...
عندما فتحت عيني اكتشفت بأنني قد حللت بجسم غريب عني ، جسم يبدو أكثر نضارة وشبابا من جسمي الحقيقي ، دققت النظر في المكان الذي أتوجد به ، علني أعثر عن شيء يزيل دهشتي ، انا في غرفة نوم فسيحه ، مستلق على سرير ناعم الملمس ،وإلى جانبي تنام سيدة في حدود الثلاثين من العمر ، بوجه أبيض ناصع ، وشعر بني...
لم تكن أمّي تعرف القراءة.
قالوا لي مرارًا: "أمّك أميّة."
كنت في البداية أشعر بوخز في صدري كلّما رددوها، كما لو أن تلك الكلمة وصمة... حتى أدركت، بعد سنوات، أن أمّي كانت تقرأ أكثر منهم جميعًا.
تقرأ وجهي عند الفجر، فتعرف إن كنتُ نمت وفي قلبي همّ، أو إن كنتُ ساهرةً خائفة من امتحانٍ ما.
تقرأ نظراتي...
لم تكن تلك الليلة مثل الليالي السابقة؛ الجميع نيام كعادتهم بعد صلاة العشاء، أنا فقط التي تمتلك عيونا ساهرة متطلعة لشروق يوم الأربعاء، ذلك اليوم الفارق في حياتي للأبد؛ فهو بالنسبه لى حياة أو موت.
قبل هذه الليلة بسنوات طوال، كنت تلك الفتاة الصغيرة صاحبة الإحدى عشرة عاما، سمعت أبى وهو يصرخ في أمي...
رغم نجاحاته،، وصلابته في المواقف، كانت الحيرة تتسلل إلى أعماقه كسرب خفيّ!!
رجل اعتاد الوقوف في العواصف، تهتزّ أعماقه من رعشة، لا يدري من أين أتت.
يمرّ الزمن، ويغور الألم، ويقيم سؤالٌ صامت على باب قلبه:
لماذا؟
من فوّض أحدهم لانتزاع الطمأنينة من قلبه؟!
كل إجابة تُولد أسئلة جديدة.
كل تجاهل...
يُروى والعهدة على الرواة أن شابا مهووسا اسمه عبد السلام، في كل مرة يرى طائرا، يتخيل نفسه حبة قمح، فيهرب، ويعود إلى البيت، ويُغلق عليه الباب..
استمر على هذه الحال لأيام وشهور، حتى أصبح أضحوكة أقرانه في الحي.. كلما رآه أحدهم مارا من الزقاق صاح بأعلى صوته: طائر.. طائر.. طائر.. فيقفز من الخوف، ويعود...
كانت الصاعقة تُمزّق السماء، والضوء الخاطف لا يترك إلا ظلالًا مرتجفة.
المطر ينزل كأن السحاب ينزف، والبرد يقرص العظام.
فتح عينيه على صوت الزجاج المحطم وأنفاسه المتقطعة.
السيارة كانت مقلوبة جزئيًا، جسده مبلل بالدم والطين، لكنه لم يشعر بشيء سوى:
ـ نــــور؟!
التفت بفزع. المقعد المجاور فارغ.
باب...
بين عدسةٍ وأخرى.. رأيت العالم في أعينٍ ضريرة.. التزمت الصمت حتى ماتت في داخلي الكلمات وتحولت الحروف إلى أبجديةٍ من الأنين.. تضخم الوجع حتى ولدت الصرخة.. فأخبرت الشيطان كم هو قبيح وأخبرت تلاميذه كم هم أقبح..
خلعت ثيابي أمامه فاستدار خجلاً.. لكن لعابه سال أمام أطفالٍ بلا رؤوس..
بحثوا عن أجسادهم...
لم تعرف سعدية طعمًا للسعادة، لا في بيتها ولا خارجه. منذ رحيل والدها، الحاج عمر، انكسرت المرآة التي كانت ترى بها الحياة. صار عليها أن تنسى دفاتر المدرسة، وتفتح دفترًا آخر، كتبه القدر بالحبر الأسود. كانت الكبرى، والمُعيلة، والظلّ الذي احتمى به ثلاثة إخوة صغار، وأمّ عاجزة عن السعي، لا تمسك من...
بدا المكان على اتساعـه، ضيقًـا على أحلامها الزهرية. تتساءل وهي تقلب أفكارها: هل يمكن أن يصبح هذا المقهى مكانًـا مناسبًـا لكتاباتها؟ تريد أن تكتب كيما تبتعد عن ضجيج الحياة وتلك الذكريات الـمؤلمة التي تسكن روحها..
كان يأتي لهذا المكان ويجلس عند الزاوية اليمنى جهة الشرق، صامتًـا ويكتفي بالنظر إلى...
1- مفهوم الثقافة:
الثقافة؛ في هذا العصر المتناسلة قضاياه، والمتفجرة مشاكله؛ تتخذ عدة أبعاد وألوان، ومن ثمة يصعب حصر ماهيتها في مفهوم قار ووحيد. ولذلك سنقتنع بالتعريف الذي اعتمده المؤتمر الدولي للسياسات الثقافية الذي كان قد عُقد في المكسيك، فهو تعريف شامل للثقافة ينص على "أن الثقافة بمعناها...
استيقظتُ ذلك الصباح كأنني أعود من غيبوبةٍ طويلة، لا تشبه النوم في شيء.
كان البرد يسري في عروقي كسُمٍّ قديمٍ تأخر مفعوله،
رأيتُ أبي في المنام.
كان واقفًا وسط عتمةٍ لم أرَ مثلها، وقد علا وجهه حزنٌ كثيف، يطلّ بعينيه في صمتٍ لم أعرف له قرارًا.
ثم مدّ يده وربّت على قلبي، لمسة خفيفة، كأنها تمسّ الروح...
أبي، نحن في القرن الحادي والعشرين… ما تفعله لا ينتمي إلى العلم.
قالها الدكتور علي العالم والطبيب الشهير، بنبرةٍ حملت ثقل الشكّ وغصّة العجز.
خرج لتوّه من عيادته، بعد أن أعياه تشخيص حالةٍ استعصت على علمه وخبرته.
"وفي المساء، رآها أمام الشيخ يوسف في الحانوت، ساكنةً كمن عاد من تيهٍ طويل، تتحدث...
قمت من نومي فزعا؛ الكلاب في الخارج تواصل نباحها، يبدو أن ما رأيته كان كابوسا مصنوعا من سراب؛ آلة عملاقة تحرث النهر، تمسك بي زوجتي، يصرخ أولادي، هذه كارثة، فتحت جهاز التلفاز، مذيعة تنشر شعرها وتضع أصباغا على خديها، حمالة ثدييها تضج من ضيق، تلمع شفتاها حمرة، تلتهب غريزتي،إنهم يفلحون في إثارة...