لم يبدأ الأمر بانفجارٍ كبير، ولا بحادثة تليق بأن تُروى، بدأ بصمتٍ صغيرٍ تسرّب إلى الأيام، ثم اتّسع حتى غمره فلم يستطع التنفس، لم يكن يعلم متى أصبح شخصاً يراقب الحياة من خلف زجاجٍ باهت، يعبر الشوارع كأنه عابر سبيلٍ في مدينةٍ لم تولد له.
شيئاً فشيئاً، صارت الوحدة رفيقته، وصار انهياره في العمل هو...
للوهلة الأولى حين رأيتها أحسست بشعور عاصف يتملكني نحوها، تعاطف، يشدني إليها وهمس رنين عذب يدفعني للطبطبة على ما بها من أحزان بادية للعيان، تفتقد الأنس والأمان، هذا ما تبثه نظراتها الحزينة، تصارع طواحين الوحدة بذراعيها
ولا تستطيع اللحاق بقطار البهجة ولو حتى من"السبنسة"
في خيالي امرأة غير...
انطوى كما الأيام الجميلة، سرقها لصوص الزمن في بلاد تصلب أولياء الله فوق جذوع الشجر، تحتفي بالعابرين فوق الفرش الحمراء، ماكينات صوت فارغة.
تقلب في فراشه، لم يحظ بساعة نوم هانئة منذ ذلك اليوم الذي احترق فيه أمله، ظلت تلك الذكرى تنهش قلبه وتنزف كلما حاول نسيانها، ارتحل بعيدا؛ فالمنافي أوطان...
في تلك الليلة، كنتُ أجلس في مقهى محايد، لا يطلّ على شيء سوى الفراغ. أمامي فنجان قهوة لم أرتشف منه سوى رشفة وحيدة، وكأنني أخشى أن أفسد حرارة لحظة انتظارٍ مجهولة. كان المكان شبه خالٍ، سوى من رجلٍ بدا عليه التيه، يدسّ يديه في جيوب معطفه المتآكل من صقيع السنوات، ويمشي كأنه يبحث عن ظلٍّ قديم.
اقترب...
وأخيرًا، جاءت الموافقة التي كنت أنتظرها.
رفعتُ ذراعي للأعلى كإشارة للنصر قبل أن انتقل بإصبعي إلى حقل الرسائل الخاص به، بعثتُ للصديق الافتراضي الجديد لوحة ورد مكتوب عليها شكرًا لقبول طلبي. أعدتُ قراءة بيانات ذلك الصديق لعلي أجد شيئًا جديدًا غير كونه أرمل ويملك محلًا لبيع الملابس النسائية، وجدت...
كان الحجّ علي من كبار الملّاكين والمزارعين في قرى الروحة وله أراضٍ ورثها أبًا عن جد، وكان تاجرًا معروفًا للعنب في أم الشوف وقنير وخبيزة وصبارين، يشتري منتوج العنب من كروم المنطقة ويبيعه في سوق حيفا وخمّارة زمّارين، ويسمح لفلّاحي المنطقة بأخذ أوراق العنب لورق الدوالي، وما تبقّى من العنب يتبعّرونه...
كانت واقفة هناك، كقصيدةٍ نسيها شاعرها في زحمة العمر، متكئة على شرفةٍ تشبه حافة الذاكرة، تلك التي تهوي منها الأحلام حين تتعب. في يديها فنجان قهوة بارد، لا يدفئ سوى الفراغ، كقلبٍ كان يوماً مشتعلاً ثم أطفأه الغياب.
كانت تحدّق فيه كما يُحدّق الغريق في صفحة الماء، لا يرى نجاته بل وجهه الموشّح...
جاء ولد يزة اليوم مبكرا إلى المقهى لحجز مكان أفضل لمشاهدة مقابلة في كرة القدم. وعليه أن يحجز مقعدين أو ثلاثة لأصدقائه.. طلب فنجان قهوة سوداء.. أشعل سيجارة شقراء من صنع أمريكي، ليهضم بها أخرى محشوة بالحشيش دخنها في الطريق..
لم تعجبه التشكيلة التي دخل بها المدرب المقابلة. وخمن أنه سيخسر.. شتم...
لم أنتظر شروق الشّمس حتّى أغادر المنزل. أخذت دميتي واتّجهت إلى المقبرة.
هناك ترقد خالتي منذ عشر سنوات. كان ذلك اليوم الوجه الآخر للحياة. لقد عرفت في ذلك اليوم ما معنى أن أفقد خالتي. كان يعني لي أن أفقد قدرتي على اللّعب الصّافي وعلى العمل. فخالتي – رحمة الله عليها- كانت تعلّمني وأنا ألعب.
كنت...
قبل أن تبدأ الحكاية :
لم يكن الكوكب الأزرق كوكبًا، بل غمضة من عوالم لا تُقاس بالعيون.
لم يهبط من السماء، بل صعد من نداءٍ قديم، حين احتاج النور إلى ممرّ، والسرّ إلى جسد.
بعض العروش تُعبر ولا تُملك، وبعض الأبواب تفتح مرة واحدة، ثم تختفي كأنها لم تكن.
الذي مشى عليه لم يكن ملكًا، بل أثرًا، وظله ليس...
يمارس حياته باعتيادية وتكرارية، بدت وكأنها تضفي الراحة والابتسام فوق وجهه،
لا يتوقف امام التفاصيل الصغيرة، لديه قدرة مدهشة على ازاحة القتامة، وقناعات ان الشمس لا يمكنه ان يرقى اليها، ولا تستطيع النزول اليه، يتبع الشمس بشغف وهى تلوح له بالمغيب، حديثه مشبع يدل على دراية شاملة والمام واسع بالامور...
رنّ الهاتف فجأة في قلب الليل، تمام الساعة الثالثة فجرًا.
تقلّبت لينا في فراشها كمن تفرّ من حلم ثقيل، ومدّت يدًا مترددة نحو الطاولة الصغيرة، حيث وميض الهاتف ينبض في العتمة.
رقم مجهول.
ترددت للحظة، ثم ضغطت زر الإجابة. كان الصمت أول من تحدّث.
– "مرحبًا؟ من المتصل؟"
جاءها الرد كأنّه ينسلّ من بين...
كان مجد في طريقه من حيفا للمشاركة بجنازة رفيق دربه المحامي محمّد، والذي وافته المنيّة إثر جلطة دماغيّة خلال حراثة أرضه التي ورثها عن أجداده وتشبّث بها، إذ كان ناشطًا في "حركة الأرض"، ولاحقًا في "حركة أبناء البلد"، وناشطًا سياسيًّا في بلدته. اتّصل به صديقه رشيد وسأله إن كان بإمكانه اصطحاب ليلي،...
ككل يوم ، أستيقظ من نومه ، ذهب إلى الحمام ، نظر في المرآة إلى وجهه الشاحب ، ألقى بعض قطرات الماء على وجهه ، أرتدى ملابسه ، لم يتناول الفطور ،وذهب إلى العمل.
عاد عند الظهيرة ، تناول غدائه ، ونام على الأريكة امام التلفاز الذي تفوح منه رائحة الدماء والحروب ، ولأنه يشعر بعجز لا يقاوم اغلق التلفاز...
أمسك بالقلم واجتهد أن يكتب رسالة، تأخر كثيرا، فمنذ سنوات وهو يبحث عن عنوانه، تعب من السؤال والتحري أين يسكن ذلك الساحر الذي اختزن كل تلك المفردات، حين اهتدى إلى عنوانه البريدي كانت الكوليرا تجتاح أمكنة عدة في العالم؛ أخبره أحد العرافين أن خطابا كهذا يحمل فألا غير حسن، قد يأتي بنتيجة عكسية؛...