في لحظة ما، لحظة لم تكن في حسابه البتة، وهو في غرفة نومه، إزاء مرآة كبيرة، تكاد تغطي حائط الغرفة الكبيرة الفخمة بالكامل، والمقابل لسرير نومه الضخم، أمعن النظر في هيئته.
كل شيء كان يثيره من الداخل وهو بلباسه الذي لم يخلعه أبداً مذ عرِف بهذا الاسم: الطاغية.
الطاغية - طبعة فنية راقية: مطبوعات...
لما كنت بالأول متوسط، كان عدنا مدرس اسمه غالب، وأحنا كنا نسميه غالب الأحمر لأن لمن يصير عصبي علينا، ينكلب لونه ويصير أحمر، كان يجينا بدرس العربي وبنفس الوقت كان جيرانه .. آني أدري كلكم راح أدكولون أكيد كان داير باله عليك بالدرجات .. بس الحقيقة عكس هذا الشيء .. أستاذ غالب كان عداوة هو وأبوية لأن...
حملت ما استطعت جمعه من أشيائي البسيطة: أوراقي المهترئة وبضعة ثياب أختزنها ليوم الوجاهة، قنينة حبر؛ ريشة من جنح إوزة؛ أدون بها وقائع رحلتي إلى المدينة البعيدة؛ فقد جاءتني رسالة بالبريد"أن احتفالا كبيرا يعد لأجلك فاحضر في قطار الغد".
سرى ذلك الخبر في كفرنا الذي يعتاش على النميمة ويتدثر بالرغي؛...
كانت رائحة الغراء اللاذعة تلتصق بمسامنا، تتسلل إلى الرئة، وتختلط بعرق يوم كامل من ثني الجلود وتطويعها في دكان المعلم "محماد الرايسة". عند الغروب، عندما كانت الشمس تلطخ جدران المدينة العتيقة ببرتقالي شاحب، كان يرمي لنا بضع ريالات، بالكاد تكفي لتهدئة جوع لا ينتهي. كنا طفلين، لكن أرواحنا كانت مثقلة...
خرج من بيت صديقه تلك الليلة، لا لأنه ودّع سهرة أو أنهى زيارة، بل لأنه ببساطة لم يعد يملك مكانًا يعود إليه.
البيت الذي كان يومًا سكناه، تحوّل إلى ذكرى باهتة في دفاتر الإيجارات المتأخرة، رقم مطموس في دفترٍ لا أحد يفتحه.
كان الليل ثقيلًا، لا من شدة البرد فقط، بل من الصقيع الذي بدا وكأنه يحمل نية...
– سأصل إلى هناك، أو إلى ما هو أبعد...
قالها لزوجته، مشيرًا إلى نجم وحيد في السماء.
ضحكت بسخرية، لكنه أضاف، كمن يُنذر:
– من يطلب الضوء... لا ينجو من الاحتراق.
ومن يصعد دون أن يحمل قلبًا خفيفًا، يسقط بثقله.
هو لا يشبه أهل الحي.
يخرج كل صباح ببدلة نظيفة، وحقيبة صغيرة.
لا أحد يعرف أين يعمل، أو متى...
اختفت جميع نُسَخ " ألف ليلة وليلة " من المكتبات العامة والخاصة
اختفت من بين أيدي باعة الأرصفة وهم ذهولٌ
اختفى حفظتها عن ظهر قلب من دون مقاومة تُذكَر
بقيت المدن التي شهدت ولادة حكاياتها
بقيت أشباح شخوصها وكائناتها وأطيافها
بقيت أصداء رواتها
بقي حكواتيوها وقد فقدوا ذاكرتهم
بقي الذين كانوا...
إلى " مقيم" على الغربة
اقترب من سيارة فارهة كتلك التي تزور الناسَ البسطاء في أحلام اليقظة، انتظر انفراجَ الزجاج، مدّ يدَه وفي شفتيه عبارة أو عبارتان تشبهان الدعاء بالخير.
في الثواني القليلة التالية توارى الكلام، وأنصتت الكفُّ الممدودة انتظارًا، اطمأنّ والرجل يبحث بين أشيائه باهتمام، ها هو...
في كل مجازٍ من طياتِ الزمان، هناك معبر ضيق نتسربَ منه كأنّه دعاءٌ قديمٌ علقَ في ذاكرةِ الأرواح.
ولهذا وأنا أكتب عن ذاكرتي الماضية بكل ذلك التوق الماثل أمامي .
فما من شذا أستوطنَ حواسَّ الطفولة كما أستوطنت رائحة خبز خالتي "بلقيس" وتنورها الدافيء، تلك التي كانت تُباغتُ الزقاقَ كله بعبقها قبل...
صرخت القطة لثلاث ثوان فقط، قفزت خلالها قفزتين قبل أن تهمد تماما في منتصف الشارع، استعاد الكون هجوعه، وواصلت ظلال الأشجار وأعمدة النور استكانتها، الوريقات المتساقطة تغادر الأشجار بتكاسل، تكتم حفيفها وببطء تفترش الأرض، أرقبها وأحكم إغلاق سترتي الجلدية، لم تفلح الإضاءة الشحيحة في التخفيف من غبشة ما...
تأملتْ عينيهِ الرائعتين قبل أن تقول له:
- مارأيكَ أن نمارسَ اللعبَ معًا؟.
من دون أن يجيب .. أبدى حماسًا!.
أردفتْ:
- لنطلق إحساسنا للأمنيات المستحيلة.
- كيف؟ سألها.
- هل تخيلت نفسكَ بلا صوت؟.
ردَّ بعد تفكير:
- لولا أنني ما أنا الآن لكنتُ صديقي الذي حرم من نعمة الكلام!.
- ذلك لا يمنع أن...
في صباح جميل، ينسج الطقس من دفئه موسيقى الحنين. على سور الشرفة، في فناء المنزل، جلست قطة الغاب على حافة الزمن، شامخة كجبلٍ أشمّ، يحيط بها صمتٌ يحوم باحثًا عن صرخة ضائعة.
تحدّق بعينيها بترقّبٍ حادّ، مترصّدة لحظة الانقضاض كما يفعل نسرٌ يحلّق في السماء، تلتقط عيناه الفريسة من علٍ، محددًا...
"1"
كانت ليلة باردة مظلمة......
الفاتح من شهر شباط تاريخ سيبقى محفوراً في ذاكرتها رغم فوضى الملفّات فوقه وتحته، فكأنه ومناخ هذه الليلة فيصل عالق بين الشتاء والربيع.
فتحت جهينة الباب بهدوء تامّ، خشية أن يفضحها صدأ الأيام على مفاصله، فيئزّ متواطئاً مع جبروت أخيها وضعف أمّها، وحتى مع حطام الأحلام...
إلى ثريّا الدّريدى حين التقينا بالحافلة 4c، فى طريقها إلى الرّازى: مستشفى الأمراض العقليّة بمنوبة. كنّا تلميذتيْن نجيبتيْن نتقاسم كلّ شىء، العزم والنّجاح والوطنيّة والأخوّة.
سحب الصّندوق المزخرف من تحت أغطية صوفيّة مرصّفة على الجهة اليمنى من غرفة مستطيلة الشّكل. حمله بين ذراعيه وتمايل إلى...