قصة قصيرة

حياتي أصبحت عبارة عن تفاصيل مبعثرة، لا شيء فيها متماسك سوى أنا التي تحمل هذا الإنفصام، وتحاول أن تتقبله كقدر حتمي، هذا يذكرني بنص لتاييس نين فيه شيء شبيه بهذا، ومع ذلك، قيل بأنه نص متماسك البناء، أنا أيضا مبعثرة ومتماسكة بالقدر الذي يريده هذا العالم. لقد كبرتُ دون أن أعي ذلك، أو بمعنى أدق، أرفض...
إنني أشبه الجميع ، أظن أن لا أحد انتبه أو ينتبه إلي في الشارع، إنني أجسد اللامبالاة الحقيقية . أرتعش من الخوف ، ويصيبني صقيع داخلي من الوحدة . الماضي يحتلني . متى توقفت عن الوجود ، متى ذابت آخر الحبال التي تربطني بالحاضر والمستقبل ؟ كرهت ذلك الشخص الذي هو أنا والذي يحب الجميع ويقوم بأي شيء من...
تململ بانزعاج في مقعده الضيق، وزاد من انزعاجه صراخ طفلة صغيرة في الخلف. كان يتمنى لو كان يستطيع أن يضع يده الضخمة على فمها الصغير فيخرسها للأبد. باعتباري ساردا جد محايد، ليس بيدي أن أوقف سيل هذه الاستيهامات الشريرة أو أنقص منها شيئا قد يزعج راحة القارئ العزيز. ولكني لا أخفيكم أني أتمنى لو يتمادى...
أحبُّ كتابةَ القصصِ على ضوءِ النهارِ، لأمنحَ شخصياتي من الصبحِ إشراقتهِ، ومن الشمسِ وضوحها، أو ربما هو هاجسٌ كي أجعلها نسخًا مكررة مني ولِمَ لا ؟ ألستُ أنا مَنْ خلقها ؟. بطلٌ ورقي من أبطالي - كنتُ أفضلهُ على الآخرين - استفزهُ ما كتبتُ ، فقال لي بعد أن وضع ساقًا فوق ساق: ماذا قلتِ؟ تجعلينني...
في غرفة مغلقة جلسنا معا كل يحكي عن تجربة الأسر لدى حماس، فتفيض وتكيل ألسننا بالمديح أو بوصفهم بما يليق بهم وهو مالن نستطيع البوح به بين الزاعمين بأنهم الدولة الوحيدة الديمقراطية في المنطقة، نحن لسنا دولة وإنما عصابة مخلقة من ثغور شتى، نعاني اضطراب الهوية نزعم أننا ننتمي إلى ياهوه وأرض الميعاد...
"كنت هناك".. في تلك الحفلة بالذات.. وحين أخبرت أحفادي الجالسين أمامي في مواجهة التلفاز، لم يصدقني أحد منهم؛ بل -في الواقع- لم يكترثوا لحديثي. لقد كان المصور يسلط عدسته على الفتيات الجميلات. ولكنني كنت هناك.. نعم.. كانت زيارة عابرة لمطرب يوناني اشتهر قبل ستين عاماً وارتفع صداه في كل العالم بأغنية...
لا أحد يعرف أصلها أو فصلها.. ألف الناس أن يروها تمرّ بين الأزقة والأحياء، ويتبعها عشرات الكلاب. تتوقف سيارة حتى تقطع الطريق بحذر. تمشي حافية القدمين. شعرها منفوش. وسّعت فتحة القميص حتى تتمكن من حكّ صدرها بكل حرية. يقول الناس بأنها مجنونة. يتصدق عليها باعة اللحوم والدجاج ببعض البقايا التي تُقدمها...
وهو يعد قهوة المساء، استنشق رائحتها بنشوة، تبادر إلى ذهنه تساؤل غريب سمعه في مسلسل عربي وظل يرن في أذنيه: هل للشيخوخة رائحة؟! غاص في وجدانه عميقا. صب القهوة في فنجانه المفضل، جلس على مقعد طاولة المطبخ، عند الرشفة الأولى بيد مرتعشة، تقاطرت عليه هذه التساؤلات: هل ستكون رائحة شيخوختي هي ذاكرتي...
الحق يقال لم يأخذني عنوة، سألني: ما رأيك؟.. فسكت. بعدها تتالت الأمور كما لو أنها تحدث لغيري. أكدتْ لي صديقتي أن القبلاتِ شيءٌ ممتع للغاية. الآن فقط أعرف كم كانت تبالغ، فالحقيقة أني لا أحتمل أنفاسه، لها طعم خفاش، حين يقترب مني أدير وجهي لأداري نفوري، لم يعد يقبلني، ليس غبيًا كما اعتقدت. يظنني...
في الليلة التي دفنتُ فيها طفلي، كان القمر بعيدًا. بدا ثابتًا مثل حجر يختبئ خلف غيمة عابرة. لم يكن المكان كأي مقبرة، بل كان معزولًا، صامتًا، كأنه لم يشهد موتًا من قبل. كان الهواء مثقل بصمتٍ لا شيء يسمعه سوى الأرض. حفرتُ القبر بيديَّ العاريتين الباردتين، لكنني لم أدفن سوى صورته في رأسي، أكثر مما...
في هذه اللحظة – بالضبط – التي تصورت فيها أنني قادر على كتابة مشهد النهاية كما رأيته . (المكان .. على رصيف المترو) (الزمان ..صباح باكر جداً.) ثلاثة مقاعد خشبية خضراء خاوية.. هكذا تكون الوحدة، ولا شأن لي بالرصيف المقابل. هناك كشك صغير لعمياء تبيع الحلوى والسجائر، وفتاة تلتصق بجانب الكشك، تضع...
قرأت خديجة خبر رحيل الروائي الفرنسي ذي الأصول التشيكية، ميلان كونديرا، الذي كان من أوائل الروائيين الذين قرأت كتاباتهم بتشجيع من أستاذ اللغة الفرنسية خلال مرحلتها الثانوية، تذكرت فقرة بقيت عالقة في ذهنها من روايته (كائن لا تُحتمل خفته)، لم تنسها منذ قرأتها أيام الجامعة وولدت نقاشا بين زميلاتها...
جدتي البيضاءُ كالثلج أعدت عِدةَ موتِها باطمئنان ورضا يقلقاني. كانت تثق بقلبها وبحصتها من سنوات عمر مهما طال سينتهي. لم ترتعش رعباً ولم تخف من مجاهل رحلة ذهاب؛ تلك التي لم يعد منها أحدٌ ليخبرنا عنها. ذات مساء كنا نتابع معاً فيلماً شيقاً؛ لشخص وصل حافة الموت يصف هالة الضوء التي شاهدها، والنفق...
السَّاحةُ واسعةٌ، والفتى أسمرُ، ذو قوامٍ ممشوقٍ، يشقُّ الممرَّ المزدحم برواد المولد، بوجهٍ مشرقٍ، وعينين تلتمعان. يوزِّع التَّحِيَّات على الباعة، الَّذين وقفوا خلف فرشهم، المكتظة بالأساور والحلقان، والسَّلاسل، و زجاجات العطر، والطُّرح الملونة، والبطاطا المدخنة، والتّرمس، وأمِّ الخلول، و حبِّ...
أعلى