(1) المستطيل:
لا أزال، بعد سنوات في هذا البلد العربي، أتذكر كيف كانت البداية..
سألني الرجل في مكتب السفَر: كيف تشرح درسا كالمستطيل مثلا؟
تفاجأتُ حينها بمنظره. ظننتُه مصريا، لولا لهجته. شعره أسود جدا وطويل. لا يُغطي رأسه، ولا يلبس عباءة أو جلباب، بل الجينز والقميص المشجر.
قمتُ واقفا أمام...
قابعة خلف تلة النسيان، هكذا نطلق عليها، فنحن نتعرف على الأمكنة بما يدور في نفوسنا، نخاف الغول أو أبو رجل مسلوخة أو حتى من العسكري الأسود، منهن لله أمهاتنا زرعن في نفوسنا الهلع من الغرباء، تمادى في الألاعيب التي برع فيها منذ سنوات لا نذكرها،لا نعلم من أين جاء وأية سفينة ألقت به على موردة الشيخ...
ما إن تنقضي صلاة الجمعة وينتشر الناس في الأرض، إلا ويطاردني ذلك
السؤال الملح في تبجح منذ شهر؛ عن الخليط البرتقالي وأكياسه تملأ كل يد،
تغافلت تغافل المضطر، فقد أوكلت أمره للأيام ،مر شهر بالتمام منذ وطأت
قدمي هذا السكن ، هنا استقر بي المقام بعد عناء بحث مضني، اهترأت منه
قدماي أبرم الشوارع ،...
ربما كان من الضروري أن يحدث ذلك. ربما يحتاج الأمر لمؤامرة من نوع خاص ومتقن لأجل تلك المرأة التي وقفت تستحم، لتغسل عن جسدها عشرين عاماً من الوجع القديم ، وقبل ذلك كانت تسأل نفسها في ليال ذات ريح بارد وهزيم، إن كان بإمكانها أن تطلق عفريتها لمرة أخيرة؟
ذلك العفريت الذي سجنته في زجاجة يشف اخضرارها...
لطالما رأينا "أم سعيد" ترفع يديها، تولّي وجهها للسماء، تدعو لصغيرها "سعيد" سرًّا وفي العلن. تُلحّ في الدعاء، تتوسل، تبكي بحرقة. فكنا نغبط ولدها "سعيد جبر" ونحسده على هذه النعماء.
فلمّا التقيت الشيخ بعد أربعين عامًا، وجدته لا يزال على عهدي به رقيق الحال، يقف عند بداياته الأولى. وقد عرفته دون...
تبقت ساعة على موعد مغادرة القطار؛ هذا وقت كاف لأدير حوارا مع أحد أصدقائي الذين شاء القدر أن ألتقيه؛ تحيرت كيف أبدأ الحديث معه، تذكرت كم كان طيب القلب!
يحتفظ بأوراق قديمة تحتوي على أسرار حان وقت كشفها، تبدو مهترئة؛؛ حرص ألا تقع في يد أحد ممن تمت إليهم بصلة.
تدور عيناه في فراغ، يبحث عن شيء...
وقفت "هناء" أمام نافذة غرفتها، تتابع خيوط الضوء الأخيرة وهي تنسحب من سماء المساء في انكسارٍ هادئ. ذكرتها لحظات الغروب بأن يومًا آخر من عمرها قد مضى، مجردًا من الدفء، تمامًا كما تتلاشى سنوات شبابها خلف وعود "الرخاء المنتظر". من خلفها، انبعث صوت برنامج تلفزيوني خافت، تخللته ضحكة اصطناعية لابنها...
الساعة الآن الثانية عشرة ليلًا إلا دقيقة واحدة.
بدأ العدّ التنازلي: ثلاث ثوانٍ، ثانيتان، ثانية واحدة.
انشطر الزمن إلى ما قبل وما بعد. تعالت صيحات الناس كأنها عدوى سرت بينهم. أخذوا يقبّلون بعضهم محتفلين باستقبال عامٍ جديد. كنتُ الوحيد بينهم؛ أنظر من أعلى جسر (بونت دي زار)، وهو يعكس أنوار...
نعم يعشقون حدَّ انقطاع الشهيق، وفي عشقهم يُذكون جذوة الجنون، لعلَّهم للعشاق فنوناً ينحتون، ولمن ما لا عهد له بالحبِّ من قبلُ درساً به يقتدي؛ يرسمون، ألم تَحكِ عنهم ما سطَّر القوالون بحقهم؟ قصصاً تثير الدهشة، وأشكال الحكايات، حدَّ الخيال منها نُسِجتْ، ومنها ما كان قاب قوسين من التصديق، وأجمل ما...
هذا أوان التفرح بما كان من شأنها؛ تتساءلون وما حديثها ؟
هذه حكاية لم تدونها الكتب الصفراء في بطونها إذ تركوها للعجائز يتندرن بها ليالي الشتاء الطويلة حيث الريح تلطم خدود البيوت.
المترفون في المدينة يسرقون منا الأحلام والواقع، لم يعد لنا ما نعيش عليه، حجزوا لأنفسهم ولصغارهم كل شيئ، تلك كانت...
يظهر أمامي، في إحدى صفحات فيسبوك، خبر وفاة شخصٍ ما.
يشاركه آلاف البشر بالرحمة والدعاء والمغفرة.
يبدو خبرًا عاديًا للبعض:
(وفاة رجل الآيس كريم المشهور – عم سمير حبيب الجميع)
هكذا كان مكتوبًا على عربته الصغيرة.
دققت في ملامحه جيدًا، حتى عادت إلى ذاكرتي صور من صيفياتٍ حارة قضيتها أنتظر في شرفة منزل...
عيناي ثابتتان بالسقف، أرمق الثبات، حتى لاح طيف جدتي الحبيبة، هاجت بي الأشواق إلى طفولتي الأولى،
ما لم يغب عن ذاكرتي هو تفاصيل جسد جدتي وحنوّ جدتي ورسوم كطلاسم تفكّ شفرة ثقافة جيل جدتي، لم تغب عن ناظري أبجديّة وشمت سحنة جدتي...
كنت قد جاوزت الرابعة من عمري عندما أجبرتني الظروف على العيش في بيت...
جلست في الزاوية، ظهري يضغط الحائط وكأنني أحاول إزاحته لتتسع الحجرة قليلا، أفرد ساقاي وأتمطى، أحرك كفاي مانعا وصول الشعاع الساقط من المصباح إلى الساقين، أستمتع بمراقبة تحركات الظل لفترة ثم أكف عن ملاعبة الضوء، وأسند رأسي إلى الجدار وأشرد بعيدا، ولما عدت كانت أوراقي البيضاء لا تزال مفرودة أمامي،...
في لقائنا الأول، ابتسمَ إليَّ كَأنَّه يُطمئنني، امتلأ وجهه الأبيض الُمشرب بحُمرةٍ بفرحٍ متراقص ، زادَ من أُلفته ،اشعر وكأنَّما أعرفه منذ زمنٍ ، مَدَّ يده مُسلِّما في تَلطُّفٍ زائد، لا أعرف غيره في المكان ، بعد عباراتِ التِّرحَاب المتلاحقة ، اكتسى وجهه بالجديةِ ، قائلا:" هل فطرت؟" ، عندها تلعثمت...
_ الأجرة؟
_صلواتي
_ما صلواتك! أريد أجرة السيارة
كان الآخر يتحدث بلغة غير عربية والسائق لا يعرف سواها، فنشأ قتال كلامي بينهما. ينشغل السائق بالجدال على أخذ الأجرة بينما يأخذ مَن في السيارة حقيبته ويهرب كلص.
يعود السائق مجددا إلى الأرض التي نقل منها الركاب والدماء تغلي من رأسه. يرى ركابا جدد...