جلس الأب على المقعد المقابل للطبيبة النفسية.
كفّاه منطبقتان فوق ركبتيه، ظهره مستقيم، عيناه ثابتتان لا تطرفان.
إلى جواره جلست الأم، متحفظة، تضم حقيبتها إلى صدرها كدرع.
الطفلة في المنتصف، رأسها منكس، تحدّق في البلاط.
أما الأخت الكبرى فكانت تراقب الوجوه جميعًا، كأنها تفهم أكثر مما ينبغي لعمرها...
كان يظن بأن رأى ـ صديقه ـ سوف يغير وجه الحياة .
كان يظن ذلك حتى وقت قريب ، إلى أن اكتشف بأن القردة وحدها تلتقط أصابع الموز تباعا دون جهد ،
بل ينالون التصفيق ، حين يتقافزون بين الأفرع .
لذلك رمى أكوام القمامة فى الشارع بنظرة بائسة، ومضى ذاهبا إلى صديقه الألمعى الذى نجا من الموت بأعجوبة، إثر...
(( الى كلِّ من جلس يومًا على حافة العالم، ينتظر نفسه))
منذ طفولتي، كان لي ولعٌ بصيد السمك، كأن السنّارة خُلقت لتجاورني. كنت أضعها إلى جانبي حتى في النوم، كأنها وصيّة أبي التي لم أنطقها معه. قالوا إنني نحس، لأنني وُلدت… وفي اليوم التالي مات أبي. كبرتُ وأنا أتعلم كيف أبتلع الكلمة كما تبتلع...
ما بين الشمس والقمر الاستحالة ،هكذا همستُ لي وفي حلمي رأيت الشمس تغطي القمر بشالها ،بعض المستحيل يهزمه الخيال ...
استيقظ وفي خاطري شيء من أمل ،قد يرن الهاتف المعلق في زواية المطبخ واسمع اسمي من بعد طول انتظار ذلك الاسم الذي نقشته على جذع السنديانه ذات خريف ومن يومها وانا افتقد رائحة المطر...
بات يدير في عقله ألف فكرة، تتزاحم الصور في مخيلته لفتيات يتمايلن أنوثة، عيونهن تضج بسحر وإغراء عجز أن يقاومه؛ ينظر مرة إلى صورة وجهه في المرآة وقد دهمه قطار العمر الذي لا ينتظر أحدا؛ في بلاد تعاند الجمال وترسم بإبرة صدئة وجوها وأقنعة مستعارة؛ ترك الزمن بصمة تجاعيده التي لن تمحى؛ أدلة اتهامه...
ها أنت الآن تسير وحيدًا في مدينة لم تعد تعرف ملامحها. الركام يغطي كل شيء، والمباني التي كانت يومًا شاهدة على الحياة أصبحت الآن شواهد للموت. غزة تنهار تحت القصف، وأنت تبحث عن بقايا من الماضي الذي كان يجمعك بأهلك، بطلابك، وبأحلامك التي دفنت تحت الأنقاض.
كنت في المنزل مع عائلتك عندما بدأ القصف...
كنتُ على وشك أن أخبر زوجي كل شيء، وأترك الحقيقة تندفع كما هي، غير أن جملة لنوال السعداوي باغتتني في اللحظة الأخيرة كانت تقول إن الزواج مؤسسة لا تقوم إلا على قدرٍ من الكذب المتبادل بين الطرفين، وإن الصدق المطلق كفيل بهدمها من الأساس، عندها اخترت كذبتي الصغيرة، لا خيانة للحقيقة، بل حماية لبيتي...
هذه المرّة، سأدعوكم للنظر نحوَ الأسفل! ودونَ استغراب! انظروا! فشخصياتي في هذه القصّة هي أقدامٌ ضَخمةٌ موحِلةٌ هائِشة، تدبُّ على الأرض دباً، تدعسُ وتبعثر وتكسرُ كل شيءٍ أمَامها، فتزيدُ ألَمَ الأرضِ ألماً، وخسوفَها خسوفاً...
أقدامٌ، نعم، هي مُجرّدُ أقدام، وليس لها أيّ امتدادِ آخر أو أيّ بعدٍ آخر،...
قلتُ وأنا أقف عند رأسه: لقد طالت رقدتك هذه المرة يا شيخنا. علمتُ من الطبيب أن النازلة هيّنة، خطرها بسيط، فلا تستسلم للمرض. ثم تتبّعت بعيني الوميض الصادر من الشاشاتٍ والأجهزةٍ الطبيةٍ التي تعلو رأسه.
بصوتٍ واهن، ردّ الرجل: لقد نال منّي التعب فوق ما يتخيّل إنسان.
سألته: ألك حاجةٌ أقضيها؟
أجابني...
باغتها زمنٌ غطّته غيوم سوداء، عاشت أسيرة وجعٍ لا يشبه جمالها ولا نقاء روحها.
سوادٌ ينهش أيامها ببطء، كما تنهش السيول حواف الوديان.
كانت تضحك كأنّها تحاكي أمواج البحر، وتتمايل كالأغصان، تخطو كغزال مرح ، كحديقةٍ تتفتح زهورها لأول مرة.
لكن قبل أن تُقطف منها قبلة أو عطر فرح، وكأن الأقدار كانت تراقب...
قال أمل دنقل : علمت قلبي أن يحترس .. ترى هل فلح ؟
هى محاولات ميئوس منها، بعد انكسارات القلب، الحب
لا ينبت مثل نبتة برية، انما
لا بد من غرسه بعناية فائقة، الميدان معتم، أوحله المطر، يكاد يخلو من المارين، لا أحد غير بائع البطاطا الذى انكمش تحت مظلة، يتقاطر منها المطر والصقيع، وطفل يلحق بأمه،...
تلك الطفلة ذات الوجه القمري طيبة القلب، تأتي كل يوم بما هو جديد؛ أسألها هل ستسبقك فتاة جماجمون؛ بلدة بجوارنا يحرز أطفالها الدرجات العليا في الاختبارات؛ تحرك رأسها بالنفي!
تثير شغبا في البيت الكبير؛ تكثر من المداعبات، تحاول أن تعابث القمر، القصاصات المهملة في زوايا البيت تصنع منها ثوبا لدميتها،...
إهداء إلى أم حسين ....
التي علمتنا أن الصبر يمكن أن يزهر ، حتى في المنفى .
أم حسين تحب الصباحاتِ الباكرة، تلك التي تشبه وجوهَ الأطفال قبل أن تلوّثها التجارب.
هي امرأةٌ تشبه شروقَ الصباح في عيونِ الأطفال؛ في صوتها دفءٌ لا يُنسى، وفي عينيها إصرارُ المعلّمةِ التي ترى في كلّ تلميذٍ وطنًا...
عقدت أمي أواصر المودة مع حمامتها البيضاء حتى غدت كفردٍ من العائلة، يربطنا بها أنسٌ لا يقطعه انقطاع. صارت تلك الروح الوديعة مستودع أسراري؛ أبثها زفرات حزني فتهدل مواساةً، وأشاركها ترانيم فرحي فترفرف ببهجةٍ تملأ الأرجاء.
ما زلتُ أذكر انحناءتي عليها بالأمس، حين همستُ لها وهي تنقر كفي بخفة: أيتها...