أخبرني أنه يكتب لنفسه، أنه سئم -منذ سنوات- انتظار رأي الآخرين في نصوصه. وأنه الآن يعكف على كتابة قصصه، ما إن ينتهي من واحدة منها، حتى يذهب ليتوضأ، ثم يرتدي أجمل ملابسه، ينثر بضع زخّات من زجاج عطر غالية الثمن، يدفنها بين طيّات ملابسه في دولابه ذي الضلفة المكسورة. ثم يقف أمام مرآة كبيرة بحجمه...
مثل صرير الباب أنصت بصمت الى أوجاعي، حالات كثيرة يجبرني القدر على إرتداء الحزن جلدا فوق جلدي، يُخنق
مسامات الأمل بأن تعطي لي إبتسامة، زقاق ضيق، غرفة معتمة تيار الكهرباء يشاركني سواد الظلمة يُسمعني عزفا
بتأبين نعوش أيامي التي أمتازت بؤسا وعوزا وحزن...ها أنا أسوق أقدامي الى عالم الوحدة حيث ضفاف...
تجوّلتُ في أزقَّتِها الضيِّقةِ، كَمَن يبحثُ عن ظِلّهِ بين جدرانِ الطين الصامتةٍ وترابِها الذي يحتفظُ بأنفاسِ الكهنةِ وآثارِ التراتيلِ القديمة. "أوروك"، ما أروعُكِ! في كل حَجَرٍ ذاكرةٌ، وفي كل لبنةٍ حنينٌ إلى زمنٍ كان فيه الإنسانُ يكلّمُ الآلهةَ وجهاً لوجه.
السَّيرُ أتعبني، وعند جدارٍ...
لقاءتنا اقل، لكن دافئة، مثل فنجان قهوتك الذى تحتسينه الآن، حبنا ليس
مثل الكثيرين، انه نتاج تآلف القلوب وارتياح النفوس، وتعانق الأرواح، ضعي يديك على قلبينا، وحاذرى فهو جارف حارق، تكتبه الحكايات والأشعار، لو كنت ذهبت فى وقت آخر، أبكر بقليل، متأخرا بقليل، عن الذى حددته الأقدار، لما التقينا، لم اكن...
كان شابا في العشرينيات من عمره، بوجه لا يزال يحمل شيئا من ملامح الطفولة وبرئة أنهكتها سجائر سومر وظهر محدودب من الانحناء الطويل فوق الأرض الزراعية. يخرج فجرا من منزله ويعود إليه ليلا، كان النهار مساحة لا يجوز أن يشهد وجوده. هناك، قرب دجلة، كان يجد شيئا يشبه حياته، ساكنا، غامضا وغير مبال بأحد...
بيرانديللو هو هرّ زوجتي.
لا تسألوني عن اسمه الغريب؛ لقد تزوجتها ولم يخطر ببالي مرة أن أسألها عن اسمه. أخبرتني بعدها أن والدها أستاذ المسرح قدّمه لها هدية في ذكرى ميلادها الخامس عشر، وهو مَنِ اختار الاسم. كنتُ أتعمد تجاهله؛ مَن بيرانديللو هذا لأضع نفسي في مقارنة معه؟!
مع ذلك، كلما سنحت لي الفرصة،...
وصل الأديب الكبير سلوم إلى وزارة الثقافة، اتجه إلى القسم المالي، سأل عن مستحقاته عن دراسة قدمها إلى المجلة التي تصدرها الوزارة. أجابته المسؤولة عن القسم بأن المكافآت لم تصدر، مع أن الكشف المالي قد أعده رئيس التحرير. أعلمها بأنه محتاج إلى المال، وإذا كان بالإمكان صرف المبلغ دون الانتظار حتى...
حينما فتح باب الشقة ودلف إلى الداخل، تجمّد عند العتبة، ثم صاح في دهشةٍ: "فيه إيه؟!
مالك يا أبا… مين الرجلين دول؟!"
لم يجبه أبوه… أو مَن ظنّه أباه. كان يجلس كما لو أن الحكم صدر للتو، وقرار الإعدام وُقّع باسمه.
تقدّم أحد الرجلين خطوة، وفتح ملفًا سميكًا:
"اسمك الحقيقي… عُمَر.
مش حودة."
ارتدّ...
كنت كأي صبي أتلذذ بالألعاب. بيوت بلاستيكية أكونها من المكعبات، دمي من القطن أضمها قبل نومي، طائرات ورقية أصعد إلى سطح منزلنا لأطيرها مع الأولاد، مراكب من الورق أضعها في حوض المطبخ، بينما أمي تنشغل بإعداد الطعام لأبي الذي سيعود بعد قليل.
ويأتي أبي قرب العصر، ينهار فوق الفراش. تنحني أمي على قدميه...
من دفتر الحكايات!
مضت الأيام ومايزال بي حنين إلى أن أكتب ما أهمله التاريخ؛ فالسرد في جماله يعتني بتلك المنمنمات التي يغفل عنها المؤرخون؛ إنهم يدونون الوقائع التي اشتهرت وذاع صيتها؛ عشت زمني بكل أبعاده؛ جبت البلاد طولا وعرضا؛ انتميت للوطن؛ قرأت لأعلامه واستمعت لزعمائه؛ أبحث عن الكتاب في مظانه؛...
الحب والكراهية صراعا حتميا، بين جوهرنا الواحد، وبين الثنائية المزدوجة،
التى يفرضها علينا واقع الحياة، وقانون المادة،
وأوضاع الدنيا،
أحبها حب جارف حارق، وحارق كانت النتيجة الحتمية للحب الأعمى، الذى قلب حياته رأسا على عقب،
لم يستغرق جزء من الثانية، وخفقة من نفس، حملت كل عواصف الدنيا، وحرائق...
لم يكن في ملامحه ما يدعو للشك. جاءها في هيئة رجل هادئ يلوذ بالوقار، يحملُ في صمتهِ رجاء أرمَلٍ يبحث عن سَكينة. صديقٌ مشترك قرَّبه منها بعد رحيل زوجها، ولم يُطِل في التفاصيل، اكتفى بالإشارة: "يعيش في الدولة الخليجية التي تعملين بها... رجل طيّب." صدَّقته.
لقاؤهما الأول كان مُتكئًا على...
أقترب منها بحذر، أعرب لها عن إعجابه الشديد بها، ابتسمت له ثم تركته وانصرفت .
كل يوم يبحث عنها كي يوطد علاقته بها، لقد شغلت تفكيره منذ رآها أول مرة، الذي يحيره أنها تبتسم ثم تغادر دون كلمة.
قرر أن يضع حدًا لهذا الشعور بالإيجاب أو السلب.
راها من بعيد تصعد درج الكلية، هرول في أثرها، لحقها في...
نَعَمْ...
يَحِقُّ لي مُقاضاةُ الفنّانِ العبقريِّ "عادل إمام"،
فهو مَن تسبَّبَ لي بأكبرِ كارثةٍ في حياتي...
كيف لا؟!..
وهو مَن تسبَّبَ في محاولتي الإقدامِ على الانتحار، فكِدتُ أنْ أموت،
وبَقِيَ الجُرحُ في صدري، وسيبقى إلى أنْ أموت.
ولِكَي لا يُبدي لي أحدٌ دهشتَهُ واستغرابَه،
ويَنبَري لي للدِّفاعِ...
هكذا، في هذه الليلة التي تبدو بلا نهاية، في هذا المقهى الأدبي الذي أعلم أنّك من روّاده، ومن مدمني مشروباته الساخنة والباردة، وحتى الروحيّة المختمرة، هكذا وأنا بأوج زهوّي قررت أن أعتزل هذه المهزلة، مهزلة الكتابة أو ما أدعوه إبداعاً فيما هو لا يعدو أن يكون مجرّد ثرثرة.. ثرثرة لا أكثر.
انطفأت...