قصة قصيرة

أكثر ما يضايق أستاذة بهيجة أن يسألها أحد عن شأن يخصها لم تبح به من تلقاء نفسها. تلوذ بالصمت غالبا بين زميلات العمل وحجتها التركيز مطلوب ووقت العمل للعمل حتى يكون الراتب حلالا. في هذا اليوم حاولت تطبيق هذه القاعدة الذهبية قدر استطاعتها؛ فطقم الملابس جديد والحقيبة والحذاء كذلك! سامحهم الله زوجها...
تسمَّر الابن إلى جوار فراش الأب. كان صمتُ الغرفة كثيفًا، لم يقطعه سوى النَّفَس المتقطّع الخارج من صدر الشيخ؛ صوتٌ رقيقٌ مكسور، كاحتكاك ورقتين يابستين. ثمانون عامًا تمر ببطء، لا كعمرٍ مضى، بل كمشاهد سريعة تتقلب. رفع الأب جفنيه بصعوبة. غاب ذلك البريق الحديدي الذي طالما أذل رؤوس التجّار في السوق،...
بدت نهايات الحرب تلوح في الأفق، وبقايا جسده ما زالت تقاوم في ميدان القتال. لم يبلغ العشرين من عمره، حين أُرسل إلى الحرب، وها قد تجاوزها بعام وأكثر. بعد التحاقه بأشهر قليلة، تلقت عائلته طردا من وحدته، تضمن رسالة بإمضاء الجنرال قائده الذي كتب بخط يده عبارة مثيرة للفخر؛ (كان ولدكم بطلا بحق، لقد ظل...
جالسٌ على الأرضِ وحيدًا، يستند بظهره إلى شجرةِ شارعِنا الوحيدة، لا يضحك ولا يتحرّك كثيرًا، وكأن العالم كلّه قد انسحب من حوله. هو شابٌّ مستهتر؛ يدخّن الحشيش أحيانًا، ويشرب الخمر متى سنحت له الفرصة، ويغازل فتيات الشارع، ويتحرّش بهن بلا خجل، لكنه فاشلٌ حتى في إقامة علاقةٍ واحدةٍ جادّة؛ فهو مادةٌ...
صغيرا كانت أحلامي بسيطة ، لا تتعدى مخيلة طفل نشأ بين حنايا العوز ، تمددت فاستقرت بين جنبات دكان الأفندي لم تتخطاه، اعتلت أرففه العامرة أحيانا، لامست علب من كل صنف وحجم ولون ، يتراقص قلبي طربا لمرأى حبات الملبن ،اتشهاها ،ساعة يقبض عليها الرجل بين أصابعه ،أو حتى حين ينفض يده من بقايا مسحوقها...
كان ال؛ رجلاً نحيلًا من حبر، يقف دائمًا بين جملتين لا تصافحان بعضهما، يتلقى ما قبلَه كوجعٍ قديم، ويستقبل ما بعدَه كرجفةٍ مقبلة. لم يكن فاصلةً للراحة فقط، ولا نقطةً للنهاية، بل ممرًّا ضيقًا تعبره الذاكرة نحو ما يسببه الغموض من قلق. خلفه الماضي، مزدحمٌ بعلامات التعجّب!!!!!! تصرخ في وجهه كلما حاول...
لم يكن العالم موجودا حينها، كان ما يشبه السديم، أو بين النور والظلام، وفي غير نظام. وكان على الرب أن يخلق شيئا أول الأمر، شيئا يؤنسه، يؤنس وحدته وسط هذا العالم اللامتناهي، أو وسط هذا الفراغ، استوى على العرش وخلق بمشيئته موكادور، موكادور لم يشيدها السلطان محمد بن عبد الله، المؤرخون يكذبون،...
يغطي المساء الغرفة ببطءٍ شديد، كأنه غبارٌ ناعم يبحث عن مكانٍ ليستقر فيه داخل قلب زينات المتعب. جلست عند حافة السرير، لا كمن يستريح، بل كعدّاءةٍ وصلت إلى خطّ لم تُقرّر بعد إن كانت ستعبره أم ستتراجع. كان الهاتف بين أصابعها يلمع بضوءٍ خافت يشبه نبضًا آليًا، لا ينتمي لجسدها ولا لقراراتها. ظهرت على...
بالفعل كان حبا في زمن الكوليرا؛ أمضيت مائة عام في متاهة الجنرال معصوب العينين، سألت نفسي أكثر من مرة لم لا ينتهي موسم هذا الحب؛ للمطر سحاب يتتابع؛ والخريف موعد تتساقط فيه الأوراق، أما أنا ففي تلك المدينة أسعى، أفقد كل يوم أحد أصدقائي؛ بت وحيدا في كل شيء؛ أعاني العزلة ويقتلني الاغتراب؛ رغم كل هذه...
أحب الكاتب الايطالي مالابارته ، ابنة موسوليني شيانو ، التي تعلقت به بجنون، و لا تعلم هذه العاشقة المدللة ان هذا الكاتب اللوذعي ، كذاب لايبارى ، ذو خيال واسع جدا ، ولما كتب كتابا ضد النازية ، الذي هو كتاب ضد والدها عنوانه ( تفكيك الثورة ) ، طارده البوليس السري في كل مكان من دون العثور عليه، ولما...
في عيادة "الابتسامة الماسية" بالحي الراقي، كانت الدكتورة "شمس قاسم" تجلس خلف درع من الزجاج والجدية. يداها، اللتان تمسكان بمشرط الأسنان، كانتا تعملان بدقة لا تترك مجالاً لمليمتر واحد من الخطأ. شمس، خريجة الشرف، كانت اسمًا مرادفًا للنحت المنظم؛ تخصصت في هندسة ابتسامات الآخرين، بينما أخفت عيناها...
مِن أسبوع.. وهذا السؤال يعبث بأعصابي، يغيّر مزاجي، ويطاردني كظلّ ثقيل (وأقسم لم أكن أعلم أن سؤالا بهذه السذاجة يمكن أن يخلخل ثوابت الإنسان، ويهزّ وجدانه) أنا جديد في كندا، أعيش في مونتريال منذ بضعة أشهر فحسب، ولا تكفّ الحياة هنا عن مفاجأتي كل يوم.. كأنْ أجد في طريقي إلى المسجد لصلاة العشاء، قبل...
"أجلس القرفصاء أمام القبر الذي يبدو صاحبه حديث عهد بالإقامة بين التراب، فيما نظرات أبي تفترسني. فأسدل قُبَّ الجلباب على رأسي وأقبض بيد مرتعشة على الشاهدة الحجرية، ثم أشرع في تلاوة الحزب الذي أحفظني أبي إياه بمشقة، حتى صرت أردده كالببغاء: النعيم والجنة، والوسواس الخناس، والموت والعذاب...
النوم أصبح حلمًا، والحلم غدا عقدة الحياة الأبدية. والروح المهمشة تذوي مع أول سقوط لأوراق الخريف، والعمر لا يواكب الزمن، كقطارٍ قديم يصرخ في المدى ولا يتزحزح. رجل عجوز ينتظر دوره في قائمة الموتى بعد أن فاته آخر غروب. لحظات الانتظار تتبدد كصقيع الثلج في مرجلٍ وصلت سخونة الماء فيه حد الغليان...
أيْ حماري العزيز إن كل كلمات لغتي لا تكفي للتعبير عن مدى اشتياقي إليك. إنك تستحق كل تقدير مني، أنا جحا الذي أُعرَف بك أكثر مما تُعرَف بي. أنت حمار وفي بحق. لم تغب لحظة واحدة عن بالي، كيف أتذكرك وأنا لم أنسك ولو لثانية واحدجة؟ وأنت بعينيك الوديعتين، وأذنيك المرهفتين، وجسمك الرشيق، وهدوئك . أعرف...
أعلى