قصة قصيرة

لم يكن أحد في المدينة يتذكر متى بدأت الحكاية. فمنذ وُلد الناس هناك، وُلدوا بلا عيون. لم يكن الأمر يُعدُّ عيبًا، بل كان فضيلة؛ فالظلام، كما كانوا يقولون، أكثر عدلًا من النور، لأنه لا يميّز بين غني وفقير. في صباحٍ لا يختلف عن غيره من الصباحات — وإن كانوا لا يعرفون معنى الصباح — صدر مرسوم سلطاني من...
رفات رأيتني في المنام، أشعث أغبر، أتكئ على عصا تحميني من التعثر في حطام البيوت. ولما استبد بي التعب أقعيت إلى جوار نصف جدار، كنت حزينا كما يليق بغرناطي فقد داره وحصانه والطريق. غرست عصاي في الحطام، قبضت عليها بكلتا يدي، وأسندت رأسي مغمضا عيناي، لحظات وانتبهت على صوت دقات أقدام، رفعت...
حين غادرتُ المدينةَ كانت ما تزال تحترق .. لم ألتفت ورائي لألقي عليها النظرةَ الأخيرةَ .. لكنني أحسستُ أن ألسنةَ اللهبِ ما تزالُ مرتفعةً ، أدركتُ ذلك من الهسيسِ الذي لا يكاد يُسمع ، وأخبرني بذلك الهواءُ ، ورملُ الصحراء الذي غاصتْ فيه أخفافُ راحلتي ، والكثبانُ التي اصطبغتْ بضياءٍ برتقاليٍ شفيف...
كل حجرٍ فيها مسبحةٌ، وكل مئذنةٍ تعلو لتعانق السماء. بعد فجرٍ والنسيم مشوبٌ برائحة البحر، وممزوجٌ بعطر الأولياء. قررت أن أمضي اليوم من ضريحٍ إلى ضريح، أول بابٍ قصدته باب سيدي المرسي أبو العباس، مسجده قصيدةٌ تعانقه القباب وتطوقه المآذن، في باحة المسجد غمرني سكونٌ مهيب، اقتربت من المقام، رأيت شيخًا...
من خلف قضبان النافذة التي قادوني إليها رأيت صاحبي، العالم الذي اخترع حبر كتاب الأسرار، يساق إلى منصة الإعدام. رأسه محني إلى الأرض، وحركة جسده تشي بالإرهاق. اختلج قلبي بين ضلوعي، وأحسست بالخواء يغزو ساقيّ... وحين تهاوى الجسد الفارع على أثر الطلقات المتدفقة، دون رحمة، من فوهات بنادق كتيبة...
كان معلِّم القرآن، أبو أمينة، يسكن في بيت صغير في الطرف الغربي الشّمالي من القرية، في زاوية محَاذية للمسجد الوحيد فيها، وكانت أمام البيت، أرض واسعة متربة، تتأثّر بأقلِّ قدر من الأمطار، وتتحوّل إلى بركة يتحاشى الناس الخوضَ في مياهها وأوحَالها. ورغم ضيقه الشديد بالتلاميذ وشكواه الدائمة من شقاوتهم...
..وقف الدكتور ممتاز عند زاوية الشارع، مترددًا، يراقب بيت الشيخة عيدة من بعيد. أصوات تتقاطع، ضحكات أطفال تتلاشى بين الزقاق، وراديو قديم يئن من نافذة بعيدة. كان قلبه يدق بسرعة، لقد أثار فضوله كل ما سمعه عن هذه السيدة من أهل القرية. كما أن قلة المرضى، والركود في العيادة، وكل الشائعات عن قواها...
في زمن مضى كانت الحيل تفوق التصور وتغلب المحال؛ الآن كل هذه الأشياء صارت من الأساطير؛ كثيرا ما كنت أحلم بأنني بلا حذاء؛ ساعتها أضرب أخماسا في أسداس من تراه سرقه؟ لم أجد تفسيرا لهذا الحلم العجيب، تكرر مرة ومرة وجدتني حين أصحو أتحسسه، لا أطمئن حتى تتحرك أصابع قدمي فيه؛ ساعتها أشعر بالأمان، أشد ما...
سمعت فاطمة طرقا على الباب.. سألت من المطبخ: ـ من؟! لم تسمع مجيبا.. مسحت يديها بالمنشفة، وعبرت الممر بسرعة.. فتحت على حشد من الشباب.. قدم التحية شخص خمسيني يرتدي بدلة وربطة عنق، وكأنه معروض لحفل عرس.. ردت التحية بارتباك، وطلبت لحظة.. عادت إلى الداخل.. غطت رأسها بمنديل أبيض.. فتحت الباب مرة...
في النادي، جلست الطفلة كطردٍ بريدي بانتظار الفحص. لم تنظر إلى الألعاب البلاستيكية المتهالكة حولها، بل راقبت انعكاس وجهها في مرآة حقيبة يد أمها الصغيرة. الأم، التي ترتدي ثيابًا أنيقة لا تليق بمعلمة لغات في مدرسة دولية فحسب، بل بسيدة أعمال، لم تنظر إلى الطفلة؛ تحركت أصابعها بآلية مدهشة على شاشة...
يقولون إن الإلهام ابنُ الليل. أما أنا، فأعرفه ككائنٍ نهاريّ، يفتح عينيه مع الشمس، ويكتب على جدار الضوء أولى كلماته. لكنني، بدافع الفضول وربما الشك، قرّرتُ أن أختبر الليل. أعددتُ الشاي الذي لا أحبّه، ثم القهوة التي أعرف أنها ستؤجل نومي، ثم كوب نعناعٍ مغلي كأنني أستدعي روحًا متمنّعة. جلستُ أمام...
في ذلك المساء الذي لم يكن مساءً حقاً، بل بقايا زمنٍ أضاع اسمه في الطريق، كنت أجلس عند حافة العالم، حيث لا شيء واضح، ولا شيء مكتمل، حيث تختلط الأزمنة كما تختلط الذكريات في رأس رجلٍ لم يعد يعرف إن كان يتذكر أم يحلم. كانت المدينة صامتة بطريقةٍ مريبة، كأنها تعرف شيئاً ولا تريد أن تخبر أحداً...
شكت زوجته بعد وجبة غداء متقشفة من سوء الحال، وأنه لا يوجد في البيت مليمًا واحدًا، حتى إن أولادهما في الصباح لن يذهبوا إلى مدارسهم، وابنهما عطية لن يذهب إلى جامعته. من أين لهم النقود، وقد تأخر راتب والدهم هذا الشهر؟ قال لها ليس من الضرورة أن يذهب الأولاد إلى مدارسهم ومعهم مصاريفهم، هي ساعات قليلة...
جاء السبت مرة أخرى، فاتسعت جراح النفس. قتلت الوقت في المقهى مع الآخرين، وحان المساء فحثت خطاك باتجاه العمارة. وددت لو يستبقيك أحدهم لتمضوا الليل مع سهرة التلفزة. لاأحد ألقى إليك بكلمة تحول بينك وبين إقفار شقتك. وفي الطريق اشتريت علبة سجائر وثلاث شمعات. صعدت الدرجات كأعمى، وتمهلت أمام الباب...
السواد يملأ المدينة. دخان كثيف، عجيب! يتمدد ببطءٍ، يلوث الحلق ويترك في الفم طعم رمادٍ محترق. يتسلل إلى الأزقة، يعبر النوافذ، يتسلق الشرفات. الناس يسعلون. رجل عند ناصية الشارع يتكئ على الحائط. صدره يعلو ويهبط بعنف. عيناه حمراوان دامعتان، تحدقان في الفراغ. حاول أن يقول شيئًا. تحركت شفتاه بلا...
أعلى