قصة قصيرة

عظيم الجسم، طويل، شديد بياض الوجه باحمرار، حاد الملامح ، قاسي النظرة، جهير الصوت حتى أنه عندما يهمس إليك بسرِ، تجد خلق الله على مسافة غير قليلة قد سمعوا القصة، فصعب أن تحدّثه في شأن خاص. رغم هذا كان رقيق القلب، رؤوفًا بالقطط، لا يعرف التلوّن في الكلام، صريح في حديثه حد الوقاحة، حتى عفّ الناس عن...
لم ينسلخ "عمرو" من جلده، بل حاول الهرب من "الازدحام". في مدينته القديمة، شعر أن خصوصيته جدار مهدم؛ الكل يعبره، والكل يترك أثرًا من غباره عليه. ظلَّ يحلم بفرانكفورت كأنها "غرفة عازلة للصوت"، مكان يمنحه أخيرًا الحق في أن يكون "بمفرده". في الأسبوع الأول، عاش عمرو نشوة الانتصار. كانت شقته في ضواحي...
في شارع العِزَب… حيث تتلاصق البيوت كأنها تحرس بعضها بعضًا، كانت فيلا جدّي وجدّتي تقف شامخة، شاهدة على حياة عائلة امتدت عبر أجيال. لم تكن مجرد فيلا، بل علامة، بيتًا يُقال عنه في الشارع: بيت الحاجة ملك … وكفى. وفي معظم الوقت كنت أقيم هناك، في حضرة الجدّين، أتنقّل بين غرف الفيلا كأنني واحد من...
بضربةٍ واحدة من عصاه الخشبية، أطاح "يوسف" بمزهرية الخزف. تناثرت الشظايا كنجوم منطفئة على السجادة، فحبستُ صرختي في منتصف حلقي. تكرر المشهد: تحول البيت إلى ساحة معركة، وأنا مجرد حارسٍ يحاول حماية الجدران من هجمة الحياة. توقفتُ قبل أن أمسك بمعصمه الصغير. لمعت في ذهني صورة بيت جارنا؛ ذلك البيت الذي...
كان يحتسي زجاجة رابعة مع نديمه راجح حتى إنهار معترفا كيف قتلها بعد أن سأله مستغربا عن ندوب غطّت عنقه الأعوج. كانت تستدعيني كل شهر للبستنة و تغدق عليّ المال والطعام ولكنها كانت تحرّك في شيئا ما كلما دغدغت أساورها مسامعي موشوشة "إنني من حقك خذني لقد سئمت معصميها المجعدتين ." أما الخواتم المرصعة...
وهو يصعد درجات السلم الحجريّ، بوهنٍ شديد، في الدار القديمة التي آوى إليها، مطارَداً، ووحيداً، وتائهاً، أخذ يفكّر في السهولة التي تمّ بها هروبه؛ هل من الممكن له أن يسمّي ما حدث معجزة؟.. أن يحرّك يديه المقيدتين إلى كاحليه في وضعية طائرة تقلع، يحركهما يميناً ويساراً، يرفعهما، يباعد بين قدميه،...
سار آدم في دهاليز عمره كمن يحفر نفقًا في جليدٍ شفّاف؛ يرى الحياة من وراء الزجاج، لكنّ حرارة الوجود لا تلامس جلده. كان الزفير يخرج من صدره عقيمًا، بلا بخارٍ يؤنس وحشته. لم تكن زوجته شريرةً قطّ. ثقب هذا اليقين صدره كلّما همس لنفسه باللوم. لكنّ حياة - الاسم الذي حمّله أبوها طموحات لحياةٍ لم تستقم...
كانت تقول: لو كنتُ حجرًا لما آذاني أحد. لكنها كانت كشجرة، لها قلب نابض في الجذع، وعروق تتنفس تحت التراب. قبل أيام استيقظت أرجوان دون أن يوقظها أحد. لا العصافير غردت، ولا النسيم مرّ من عندها ليصافح وجنتيها. شيء ما سقط من دفء قلبها بغفلة، وعيناها غريبتان تتفتحان على مداهما أو تضيقان تحت وطأة القلق...
يسهر، يسكر، يعربد!! وكأن العالم بأسره مسرحٌ ينتظره. يضحك عاليًا، يتحدث عن نفسه أكثر مما يتنفس، ويضيق صدره إن حلّ الصمت؛ فالصمت عنده ليس لحظة تأمل، بل فقدان كاميرا، فقدان أضواء، فقدان فرصة لإظهار ذاته. وسيم إلى حدّ الاستفزاز. ملابسه مصمَّمة بعناية مفرطة: ألوان جريئة، قصّات حادة. كان نديم سليل...
إنّها الرّابعة وخمس دقائق من يوم الخميس هذا. لقد أنهى حمزة السُّمْكي جولتَه في ساحة الثّانويّة، حيثُ كان يتمشّى بين التّلاميذ ومن حين لآخر يَصْفِق راحتيه ببعضهما، مُردّداً عبارة: "يَلّاه، يلّاه، إلى أقسامكم، يَلّاه"، مستحثّاً التّلاميذ على الالتحاق فوراً بقاعات الدَّرس. وبالفعل، فالدّقائق العشر...
متوهجة ممتلئة حيوية، وحبا للحياة، بسيطة الملبس، شديدة الهدوء، فائقة الحسن، لاحظ انها املح مما خالها لأول مرة، عينت حديثا، تعمل فى مكتب سكرتارية رئيس الحي، كتاباتها فريدة، تنم عن ذوق عال، تنساب فى سلاسة وتدفق، فى التعامل مع الحروف والكلمات، نترك بعض احلامنا فى المحطات، وقليل من جنوننا على نوافذ...
بعد أيام ينقضي العام؛ أخذت في جرد دفتري؛ بحثت عن نظارتي التي تشبه عدستها قعر كوباية الشاي؛ تفاجأت بشيء غريب؛ لقد تحولت إلى كائن حي؛ تتبع الأرقام والحروف؛ تمسك ببعضها ثم تلقي به بعيدا عن الصفحة؛ بدأت الحروف تتهرب من أمامها؛ أخذت أحاول خلعها؛ تأبت؛ الأشد غرابة أنها التصقت بوجهي؛ انغرزت في موضع...
عزمتها على فنجان قهوة في حتة بعيدة –كما تقول الأغنية الشهيرة–، اخترت نقطة تلتقي فيها الألوان الثلاثة – الأصفر، الأخضر، الأزرق – في ودّ نادر. في مقهى "لوبوليس"، هو في ذاته بقعة أسطورية أحسب أن عقلي من أوجده وخيالي جعله حقيقة. حين جمعتني بها ترابيزة صغيرة من الخوص، أهديتها رزمة من الأقلام الرصاص...
لم يكن منزلنا يملك مرحاضًا. كبرت وأنا أستيقظ في الليالي الباردة على نداء متانتي، فأمشي في الظلام، متسللًا بين الجدران والنفايات، حتى أصل إلى المرحاض المشترك. مكان لا تعرف فيه أين تطأ قدمك، تملأه الروائح النفاذة، وتخترقه عيون متلصصة تتربص بك من ثقوب السور المتهالك. كنت أستحيي من الدخول إليه،...
كانت جارتي "لينا" ذات الخمسة والعشرين ربيعا، الفرنسية الأصل، الكاثوليكية الديانة، جميلة بعينيها الزرقاوين وكأن البحر اختزل فيهما لون السماء وعمق الذكرى. كانت تمرّ كل صباح لألقي عليها تحية صباحية، نلتقي عند بوابة الدرج، تهمس بالفرنسية في صمت الصباح، ثم تمضي إلى المعهد حيث تدرس الأدب وتقول إن...
أعلى