قصة قصيرة

لا أدري ما الذي دهمني الليلة الماضية؛ طريق طويل غير أنه مسيج بهؤلاء الذين يسدون عين الشمس، لم أرتكب في حياتي ما يشي بأنني من هؤلاء الغوغاء الذين يبحثون عن رغيف خبز يملأ بطونهم، أعترف بأنني لا أمتلك حسابا مصرفيا، ليس لدي تطلع لأن أكون أحد الوجهاء، تفقدت حذائي فلم أجده؛ ترى هل سرق؟ يتكرر ضياعه كل...
ها أنت تقف قرب النافذة، كأنك حجرٌ ثابت في غرفة يلتفّ حولها الزمن. المطر يهطل بلا هوادة، يطرق الزجاج كمن يريد أن يُوقظك من غفلةٍ طويلة. الهواء بارد، والسماء ملبدة، وكل ما في الخارج يبدو كلوحة رسمها فنان متعب. في الداخل، المكتبة العتيقة تئنّ تحت ثقل كتبٍ ما عادت تُقرأ، بعضها مفتوحٌ على صفحات...
تحت الأضواء البنفسجية للشارع الرئيس، انعكست أشباح المدينة على زجاج السيارة الفيراري السوداء. داخل المقود المُطَعَّم بجلد الظبي، انقبضت أصابع ياسين وانبسطت بإيقاع عصبي. لم يلمح انعكاس وجهه النحيل على الزجاج الداكن، بل رأى أشباحًا أخرى: شبح الفتى ذي الستة عشر ربيعًا وهو يلف التبغ في أوراق الجرائد...
بعد جولةِ تسوّقٍ فشلتُ في شراء أيّ شيءٍ فيها، استوقفتني رائحةُ القهوة المنبعثة من أحد المقاهي، فأيقظت فيَّ إحساسًا لذيذًا ورغبةً عارمة في احتساءِ فنجانٍ من الإسبريسو مع سيجارة قبل استئناف الجولة مرةً أخرى. تجاوزتُ عتبة المقهى لأشعر بخيبة أمل، وأنا أرى طاولاته مشغولة جميعها، وقبل أن أستدير للخروج...
هل نسي؟ أعود إلى السؤال نفسه، لا لأنه ملحّ، بل لأنه يرفض أن يغادرني. أكرّره كما تُكرَّر الصلاة حين لا يكون الإيمان يقينًا، بل رجاءً خائفًا. هل يمكن لرجلٍ أن ينسى حبَّه الأوّل حقًّا؟ أن ينسى تلك اللمسة الأولى التي لا تشبه أي لمسة بعدها، اللمسة التي لا تعرف الجسد بعد، لكنها تُشعل القلب دفعة...
تراب الحكايات أحد عشر مصباحا مضاء مربوطة كلها في حبل واحد، يحصيها مراد وهو جالس بالمقهى شبه الخالي، يبدو أن البرد صرف عن المقهى رواده، أشار مراد للنادل مستعجلا وصول الشاي ثم أخرج الورقة من جيبه، أعاد قراءة العنوان ربما للمرة الأربعين، تأكد أنه موجود في نفس الشارع المظلم الطويل، قطع نحو...
يدخل المجالس كما تدخل الموسيقى المفاجئة: بابتسامة لا تُغلق، وضحكة تعرف مفاتيح القلوب. ما إن يجلس حتى تبدأ النكات بالتطاير من فمه كالعصافير، وتتعاقب جمله الإيحائية فتوقظ الضحك في زوايا الوجوه النائمة. كان يصنع من الصمت عدوًّا صغيرًا ويهزمه كل مرة بقَهقهة عالية. كان الناس ينظرون إليه بإعجاب: يا...
خلف زجاج نافذة السيارة، انزلقت شوارع المدينة باهتة، كأنها لقطات من شريط سينمائي أُفرط في مشاهدته. رفع عمر يده ببطء، ووضعها على موضع الجراحة؛ لم يتحسّس الندبة بقدر ما تأكد أنها لا تزال هناك، دليلًا صامتًا على عودته من مكانٍ لا تُلتقط له صور أو يُحتفى بالوجود فيه. قبل أيام قليلة، بدأ العالم يضيق...
لا أظن أن للاسم هذه القدرة على الخداع. حين أقول اسمي ياسمين، يتخيل السامع زهرةً بيضاءَ في شرفةٍ تطل على صباحٍ هادئ، أو فتاةً تمشي بخفةٍ في ممرات الحياة. لكنني هنا، في هذا المكان لست زهرةً في شرفةٍ، جئت إلى هنا في يومٍ لا أتذكر تاريخه بدقةٍ، فالوقت هنا يفقد معناه سريعًا. يومها انغلق الباب خلفي...
تمضي سيارة الأوبل الحمراء المحطمة فوق الرصيف فترتعد مع كل مطب ويعلو ارتجاف هيكلها، في مؤخرة السيارة، تتكدس صناديق العطور ثقيلة الرائحة والوزن حتى انخفضت المؤخرة وارتفعت المقدمة في توازن مختل كأنها قررت أن تستنجد إلى السماء هربا من الطريق. الطلاء متقشر عند الأبواب والزجاج متكسر والعجلات تشق...
كل ليلة يحدث صخب في الطابق العلوي؛ هل ترى الجن سكنوه؟ يتملكني الرعب الذي لانهاية له، متذ أن ارتحل أبي إلى ربه أحكم غلق الأبواب وأنام بنصف عين؛ يعوي ذئب فينبح الكلب، تخيلوا إنها الفئران تدس أنوفها في أقنية الدجاج. في هذه الأيام الناس تخشى الوباء جاء من بلاد نمنم؛ هل هذه نهاية الزمان؟ يبدو هذا...
سمعتُ نداءهُ حين وصل إلى ديار حبيبته، أما هي فقد تسمرتْ من هول المشهد وكأنها تراه للمرة الأولى. قلتُ له بصوتٍ سمعه كل من كان حولي: - لقد انتظرتْ طويلًا موسمِ عودتك، لقد كنتَ حلمها الغافي فوق جفون الانتظار. قال بهمسٍ لذيذٍ: - وها أنا أفي بوعدي إليها إذ أتيتها محمّلًا بالبشائر، وأعانقها من بعد...
هذا يومي الأول ، حضرت مبكرا ، وتلك عادة أصيلة لا يأتها غير أبناء الريف ، فتكشف جغرافية المكان ما يشغلني مع البدايات ، بدت المكاتب مقفرة، شاخصة كأشباح نائمة في ضوء خافت، هدوء تام يلف المكان غير حثيث قادم من فتحات التكييف، أزيز لطيف يضخ برودة تلسع جلدي، دقائق وتوافد عمال النظافة في زيهم البرتقالي...
إرحل كما تشاء... إغضب كما تشاء، لك الأرض يا حبيبي أوسع فضاء، غامر فمذ عرفتك تحب أن تكون مغامرا دنجوان بين النساء، لكن لا تنسى خذ بقية ذكرياتك التي كانت أحاسيس أثنى أحبت بجنون و أجزلت العطاء، لم أتخيل يوما أن تكون سبب تعاستي أو تتسبب لي بالشقاء، لكن لابأس فما زلت طفلي المدلل الذي إن غضب يركل...
كثيرا ما كنت أتأمله وهو عائد إلى بيته, وفى كل مرة رأيته فيها,كان يقفز إلى ذهنى سؤال وحيد:"كيف له أن يسير هكذا بدون مساعدة من أحد أو حتى من دون عصاة", وفى ذلك المساء, لم يكن هناك مفر من أن أذهب إليه, حيث كان عالقا فى بركة من الماء, والشوارع تئن بعد موجة خريفية مفاجئة, وباتت غارقة بالمياة, خالية...
أعلى