عاد من عمله الصباحي، مطأطأ الرأس، يجر أذيال الخيبة، ومحاجر عينيه ممتلئة بسحب قاتمة ومثقلة بالمياه،
وما إن رأته زوجته فاطمة حتى عَلمت برفض السُلفَة، جلست إلى جواره فوق الكنبة الاسطنبولي وقالت:
_ والنبي يا خويا مَتزَعل نفسك، بيقولوا الزَعل عدو الصحة،
نظر إليها وإلى باب الشقة الذي لم يعد يتذكر...
تعودَتُ رؤيتهُ أيام العطلِ في نفسِ المكان ..
يَجلسُ على الصخرة ذاتها التي تظللها شجرة صفاف كبيرة تحيطُ بها من الأسفلِ أعشاب بدتْ داكنة جداً في مِثلِ هذا الوقت من السنة .. يَعتمرُ نفسَ القبعة السوداء ذاتَ الحواشي الضيقة.
لولا الكتاب الذي بين يديهِ والذي كانَ دونَ غلاف .. لظننتُ أن هذا المشهدَ...
عذراً..لأنني لا استطيع كتابة قصة إيجابية ترضي ذوق الجماهير..إنني متعب جداً..ولا اتحمل تزييف حقيقتي..
ومضيت واعتزلت في منزل جدتي..كانت صورتها معلقة في غرفة قديمة الجدران..وكلما رأيتها أرى نفسي داخل القبر..حيث ألتحق بأزمنة الغابرين السحيقة.. لا شيء يستدعي أن أزيف نفسي، فالحياة لا معنى لها كي...
وقفنا صفًا طويلا في نهارٍ حار للحصول على وجبةِ فولٍ من مقصف المدرسة ، الفسحة كانت بعد الحصة الثالثة من اليوم الدراسي، بعضنا كان يلبس على رأسه غطاء من الشمس والآخر يكاد شعْره يحترق، عدد الأطباق المتناثرة في فناء المدرسة لايفي بعدد الطلاب، معظمها لايزال يحتفظ ببقايا الفول من إفطار أمس، كنتُ...
نهض من فراشه بإعياء، يرفع يديه للأعلى، ويتثاءب بعد ليلة طويلة مع عالمه الأزرق ومتصفحه قائلا:
أشعر أن شيئا رهيبا سيحدث!
سمعه ابنه الذي يدرس بقسم علم النفس، وهو متوجه كعادته إلى الجامعة صباحا.
خرج إلى النادي مع أترابه لفترة استراحة، وانزوى في غير عادته إلى ركن يحتمى بالصمت المطبق، سرعان ما ذابت...
تبقت في ذاكرتي حكاية لم تسرد بعد؛ الموتى يزورون القرية في ليالي العتمة، يتسللون من أكفانهم البيضاء، يأتون في ثياب جديدة، إن لهم نصائح لما يقدموها لمن خلفهم، يسري الليل وفي الشتاء حين تشتد الريح، تتوالى الطرقات على الأبواب، تموء القطط، نحن لا نضربها، إنها ترى العالم الآخر، ثمة أسرار لا نحيط بها،...
إن المُنتحر لا يخسر سوى التوقعات...كان يهرع دوماً ليحكي لي عن حلم رآه، يقصه بجدية بالغة..ثم يطلب مني تفسيره، أمنحه تفسيراً متفائلاً حتى لا يرفضه، بل يتعلق به.
- رأيت في المنام أن نبتة خرجت من الأرض ثم تفتحت عن جوهرة في شكل بيضة كرستالية، أضاءت وجهي ثم العالم بأسره..
وحين أصمت منتظراً باقي الحلم...
خرج الرجل من الحانة وهو يرسم حرف لاماليف في مشيته. يسير ذات اليمين وذات الشمال متمايلا، لا ينتصب على وقفة، ولا تسعفه استقامة مرجوة.
الرجل خرج جد ثمل، تفوح منه رائحة الجعة على بعد أمتار طويلة. لكت وبالرغم من هذه الحالة، لم يرعو ولم ينتبه، وركب سيارته. يقول دائما بالكثير من الوثوق الواثق من...
زيارتي للمكتبة العامة في مدينتي... المدينة التي لا تقرأ سوى إلتزامات قاطنيها، ومشاكلهم ووصايا الموتى المكتوبة ريحها على شواهد القبور صار عمرها اليوم أربع سنوات... مضت أسرع من استراحة البصر من غزو المشهد... منذ أربع سنوات أدخل هذا الصرح الضخم ، المنفي ، المتروك الا من غباره وعتمته وفرادته... كتب...
الهاتف الغبي يرن في الخارج يذبح بقايا ظل في حديث يعلق بالضفائر، يشدني اغتراب واصفرار ممزق, يلطخ البؤس خطيئته المرة, ما اسهل الود وترف الحب في مخدع يتقيأ اكاذيب مفتعلة لترحل بعدها اطياف ناعمة مطعونة على جنب قدر ضائع يقضم من اغواره ذكرى مسعورة, يتناول سجائر بنكهة الافتراس وارهاصات تلف في يوم سخي...
الهاتف لا يتوقف عن الرنين . رفعت هناء السماعة
ـ صباح الخير ، خالتي عائشة .
عرفتها من الصوت ، ورقم الهاتف ، ثم أضافت بغبطة ، قبل أن تسألها :
ـ أمي وضعت مولودا صبيا .
زغردت الخالة في الهاتف ، وتابعت :
ـ مبروك يا بنتي هناء ، أصبح لك أخ ، يشد عضدك ويحميك . كيف حال أختي زهرة ؟ هل المولود في صحة جيدة...
كان عقربا منتصف الليل متعانقين حين تركت الغرفة ومن فيها، تلك الليلة المشهودة من أيام العطلة الصيفية. فرشت لحافا فوق الحصير بالهواء الطلق، وسط منزل الأسرة في البادية. تمددت على ظهري، يداي خلف رأسي، ورفعت عيني إلى السماء. لم أر شيئا سوى نور خافت، ينبعث من نجم هناك في السماء البعيدة، يراقص حبات...
الموج عاتي والسفينة خالية الصواري دُسُرها متآكلة تُبحر بربان كسيح الى الجزيرة المفقودة، كل من عليها يضمر شيئا فهم في عالم المباغتة وإن تشاركوا في مائدة واحدة فلا حرمة لملح وزاد، فعملهم يكثر فيه لواط الألسن حين يأتي الحق عاريا حتى بدون فتنة، والأغرب أنهم يبيعون غايات دون وسيلة فَهمِهم الذين...
إنَّ المسرح الذي تتحرك جدرانه وتتراقص قاعدته، لا يمنحك كممثل القدرة على لعب دور جاد..إنه مثير للضحك..وهكذا اختار هذا المخرج المجنون أن يكون مسرحه كأغنيات تو-باك.. لقد ضحك المتفرجون حتى ضرط بعضهم، وتقيأ البعض الآخر وأغمى على الفتيات الرقيقات، ونحن نتأرجح فوق خشبة المسرح المتراقصة، نسقط يمنة...
إنها المدينة الفاضلة العالقة في ذهنك كم هي ذاكرة التفاصيل الجميلة عالقة... بعكس كل توقعاتك الواردة في مخيلة الأحلام وما لم تصدقه من نصائح أمتلئ بها رأسك الكبير العنيد حينا إقترب موعد رحيلك إليها آنفاً: الإنسان بينها بلسانه هو نقيض فكره أو حضارته؛ أو لا يمكن أن تكون كل تلك الحضارة المدهشة في نظر...