المشهد الأول
يفتح الستار ببطء. تصفيق فاتر يتلاشى سريعًا. ثم إظلام تام.
بقعة ضوء تتسلل من العمق، لتسقط على امرأة مستلقية على كرسي خشبي
قديم، في حجرة متواضعة، تنظر إلى الفراغ بذهول
المرأة تحدث نفسها بصوت خفيض: أخبروني أنه لن يبقى في مستقرّه الحالي.
ما كنت أظنه أبديًا لم يعد كذلك. مهلة شهر؟ شهران؟...
اقتادوه مكبل اليدين من مكتبه في المستشفى... عيون الأطباء والممرضات تتبعه بدهشة وذعر.
صرخ أحد الضباط:
– . أنت مش دكتور سامر… أنت نصاب
ارتجف، شعر أن كل شيء انتهى.
لكن فجأة شق صراخ آخر الممر:
– "ابن الوزير بينزف! لازم يدخل غرفة العمليات فورًا."
تقدّم الضابط بخطوات صارمة، لكن زوجة الوزير قطعت...
كان الصباح باردًا، والسماء تميل إلى رمادية خفيفة. خرجتُ من البيت ممسكًا بيد أبي. كان اليوم مختلفًا، كأنه بداية طريق لا أعرف أين ينتهي. الحارة القديمة ما زالت نائمة، والناس يتثاءبون خلف نوافذهم، لكنني كنت أشعر أن العالم بأسره مستيقظ داخلي.
حين اقتربنا من المحطة، تزايدت الأصوات. ضوضاء متشابكة...
عندما يأتي القطار يترك كل واحد مكانه؛ يعدو خلف العربة التي يخمن أنه سيجد بها موطيء قدم، صراع على الوسيلة شبه المجانية التي بقيت منذ عهد الأجداد، بعضنا يتهرب من دفع الأجرة وكثير يماطلون محصل التذاكر حتى إذا جاءت محطة النزول كان الإعياء قد بلغ به حدا لا يمكن مقاومته، قد يسعد الحظ أحدنا فيرتمي على...
غشّى الضبابُ صباحَ المدينة الصغيرة، كأنّه يُخفي أسرارها عن المارّة. كان الطريقُ إلى المدرسة ضيّقًا ومبتلًّا بندى الليل، والحجارةُ تتدحرج تحت أقدام الراكضين إلى صفوفهم.
وسط الضجيج، يمشي سليم وحيدًا. حقيبتُه أثقل من كتفيه، لا بسبب الكتب فقط، بل لكلماتٍ تراكمت في جوفه: «أبو نظّارة»، «الضعيف»،...
يقول الفلاسفة إن الجسد عبء على الروح يحد من انطلاقها، ولكن في حالتك تلك فإن الروح عبء على الجسد. فأنت ترتاد الندوات والأمسيات لتلقي الشعر وتستمع له، وتناقش مع أصدقائك المبدعين والمثقفين أهم القضايا لتسعد روحك النبيلة، تاركًا جسدك النحيل غارقًا في الحرمان. فلا تحقق له شهوة في طعام، أو تتركه يعزف...
في قلب حي قديم، تضج فيه الأزقة بروح الزمن الراحل، تتمايل الظلال في ساعات الغروب، تجلس أمل ذات السبعة أعوام على الرصيف المبلل، تعتصر بين يديها حذاءً ممزقاً، الحذاء ذو لون أزرق باهت، قديم ممزق من هنا وهناك، دخلت إلى دكان الإسكافي، يملأ المكان عبق الجلد ممزوج برائحة التعب، وقفت أمل أمام الإسكافي،...
في كل مواجهة مع المحتل تكون غزّة مرشحة لنيلِ أحد الوسامين الأول إما أن تكون الطبيب الجرّاح الذي يخيط جراح الأمة، والثاني أنْ تكون الجزّار الذي يُثخِن في المحتل !
بدأ تصعيد إسرائيلي غاشم على القطاع في أواخر أيام شهر رمضان الفضيل الذي لا زال الاحتلال يجهل عظمته ويتجاهل قدسيته ويزيد من استفزازه...
أحببت هالة منذ كنت في العشرين من عمري. كنا نجتمع سويًّا في نادي الأدب بالكلية، تحت إشراف أحد الأساتذة ممن يهوون الشعر والقصص. كنت أكتب الشعر، أما هي، فكانت تكتب القصص القصيرة. كان جمالها من النوع الهادئ، بلا صخب، بيضاء البشرة، سوداء العينين، محجبة، وكان صوتها رقيقًا وهي تقرأ علينا قصصها، وتصمت...
أخذت تداهم سعيد أفكار سيئة تخص مستقبله الغير واضحة معالمه، فهو مهدد بالسجن بسبب قضايا رفعت ضده من عدة دائنين له وقع لهم على شيكات على بياض ثمن أجهزة كهربائية قام بحرقها في السوق ليستثمر ثمنها بعد ذلك في عدة مشاريع مضمونه الربح مائة في المائة ثم أخذ يتحسر ويندب حظه ويسب النحس الذي يلازمه دوما،...
منذ زمن بعيد ظل سجين أسئلة متناسلة، لا يكاد يجد جوابا لواحدٍ منها حتى تحاصره أُخَرٌ أَكْثر غُموضاً فيجد نفسه فريسة لعملية تكرار مُمِلَّة، في البَدء كانت الأسئلة وجودية محضة، لكن مع تقدُّمِه في العمر حضر الهاجس الاجتماعي بكل تجلياته وترتّبَ عن ذلك تَخبُّط نفسيٌّ قويٌّ، زاده حجم السؤال المعجون...
الانسان وحده المتميز على سائر الكائنات، بأنه حيوان مبتسم، حتى الإبتسامة تراجعت وشحبت، ولم تعد غير تقليصة فى الوجه وجذب وشد فى عضلات الفكين، ابتسامة ميكانيكية،
زيت يلين تروس العجلات الجافة لتدفعها للسير،
الأحداث الموجعة غافلتني وسالت فى محبرتي، لطخت بياض ورقتي بالسواد المتمدد فى الزوايا...
في ساعة الغروب، انزلقت العتمة على وجه الأرض، تاركة نوافذ النهار مشرعة لبعض الوقت، كما لو أنها لا تعارض وجوب الرؤية بوضوح.
وحين لمح ذلك الشبح الذي بدا كسراب، لم يكن الجسد مرئيًا، ولا نابضًا بالحس أو الحياة. انتابته صدمة، أعقبتها رعشةٌ جعلت أسنانه تصطك. لم يكن يعرف إن كان ذلك السراب هو...