كانت ليلى ترتل آيات القرآن بصوت خافت، كأنها تحاول صد لعنة خفية تلوح فوق البيت.
طفلها الذي غاب ما زال طيفه حاضرًا، يعيد إليها موجات الألم ويزرع في روحها وهجًا من الحنين المستحيل.
أما زوجها، دكتور نديم حاتم، فقد انهار بعد تلك اللحظة المشؤومة، لم يعد يُنظر إليه كعالم فذ، بل كمجنون محاصر في متاهة...
لاأدري لم جاءت على ذهني؟
أحسبني من الذين زهدوا في الكتابة عن النساء؛ ربما لكثرة ما دارت أحاديثهن على صفحاتي؛ تبدو مثل كائن هلامي لاأكاد أجد لها وصفا غير أنثى العنكبوت؛ تنسج خيوطها تتمتع بصبر أيوب؛ تربض في وكرها حتى تحكم الخناق حول فريستها؛ هكذا عرفته وعرفتها، تمشي كتلة لحم فهي تشبه سلحفاة مضى...
– “في منتصف شهر ماي من السّنة الماضية، كنتُ قد جِئتُ مع الفريق – أقصد مع “العنبرة”- إلى مرّاكش ليلعب مباراة ضَد فريق باب دكّالة، وزرتُ أختي والتقيتُ أصدقاء قدامى، لكنّ أحداً لم يُخبرني بأنّ سي جُغمة قد مات”، قال سي المثابر.
– “العنبرة ! قال عُمَر. ثمّ أضاف: لقد شهدتُ شوطاً من مباراة كانت قد...
الزمان أحد الأزمنة القاهرة؛ أزمنة الحروب التي لا يجيد صانعها إلا إشعالها، ولا يعرف طريق النصر فيها.
في تلك الليلة، على ضفاف نهرٍ مظلم، جلسنا أنا ورفيقي “تسفالدت”، الملقب بـ “شاكتي”، نستنشق عبق التراب الممزوج برائحة البارود، بعد أن نقّينا الأرض قليلًا من الشوك، ولفّنا أنفسنا بسماء داكنة بكماء،...
-"أين حفيدي؟"
-" انتظري دورك!! ألا تر…"
-" دعها تدخل .. لا نمانع ذلك".. يقاطعه عمر ود سمرعول، بصوته القوي، وهو يقف على رجل واحدة، بينما يُريح ركبته مقطوعة الساق على عكازه ، لكي يريه أنه من جرحى حرب التحرير، ومن المفترض أنّ لكلامه أهمية.
-" لا أحد فوق القانون! ولا كبير لدينا… هل هذا واضح...
وهو يجمع ملابسهم من غسيل الأمس ويجتهد أن يدارى تمزق الجلباب تحت الابطين ، آتاه صوته من عمق الحجرة .. لم يعد يليق بنا المكان ، لقد حان الوقت للرحيل.. فى الداخل قادته قدماه الى مقعد لحقه من ارث ابيه ، فى صمت راحت عيناه تتأمل النجوم التى تعتلى أكتاف زيه الرسمى الجديد المهتز مع حركة دوران هواء...
لا أدري إن كنتُ صائبةً فيما أخفيته عن زوجي المثقّف، شديد العمق والملاحظة، من سرّ!
في العاشرة مساءً، وبينما هو يقرأ في كتابٍ ما، وقد اعتلتْ عينيه نظّارته الطبية اللندنية، أوجستُ خيفةً أن يلحظ اضطرابي وشرودي، فيسألني: "هل هناك ما يشغلُكِ؟"
كنتُ على حافة الوقوع في إخباره، بعد رؤيتي لتلك الابتسامة...
رآها في محْفل من جمالها، تخْطُرُ وسطَ جيشِ مفاتنها، وجد نفْسَه، وبخاطر أزليّ، يتوق لقطف بعض الكرَز؛ عند ذلك، قرّر أن يحدّثها عن الليل والحياة؛ أصغتْ باهتمام، وبدتْ كمَنْ يرتشف كلماتِه، فأرسل رؤاه:
- في الحُلم الأخير لي، رأيتُ إحداهن، تقضِي، وبحركة خاطفة، على صمت الشفتين، وفي الحُلم الذي قبله...
أسير في الشوارع بحثا عن فلسفتها ، كأي جوال متمرس ، اريد أن اشم روائح النساء الوحيدات الحزينات ،المقهورات ، اللواتي يعزفن على الاسفلت باقدام متعبة، موسيقى الرغبات الدفينة، انثر قدماي مثلهن على الاسفلت ، وانظر الى شمس الغروب وهي تغسل الاشجار بآخر ما تبقى لها من غبار ذهبي ، احمل سنواتي العجاف وانا...
كثيراً ما كنت أشاهد الست "فريدة" أثناء مرورها من الحارة، بينما ألعب مع الأولاد...
ووقتها، كنت أتوقف عن اللعب، وأنظر لها مندهشاً من جمالها، الذي لم أر له مثيلاً..
وأغيب في سحر عيونها الخضر، وهي تنظر لي في عطف..
وكنت أشعر بالرهبة، إذا تقدمت مني وسألتني عن حالي، أو حال أخوتي..
وأظل طوال الليل – قبل...
قبل دقائق من شروق الشمس، أتوجه نحو مكاني المعتاد، اللسان الصخري المؤدي إلى قلعة قايتباي. أجلس على المقعد القماشي القصير، وأخرج عدة الصيد، أفرد بوصة الصيد المطاطية المرنة، أمرر الخيط النايلون الرقيق، والقوي برغم هذا، من الحلقة العلوية، وفي الجزء الأخير من الخيط، أثبت كرة الفلين الصغيرة، وقطعة من...
بالأمس شربت من البحر. نعم، كما أقول لك تمامًا، لم يكن حلمًا ولا استعارة، إنما فعلٌ حقيقيٌ ماديٌ له ملحٌ، وله لذعةٌ، تعود بي إلى الخلف كأنها تستعيد الطفولة.
في هذا اليوم خرجت وحدي من البيت قبل الغروب، لا وجهة لي سوى أن أتبع النسيم حين يلامس وجهي بخفةٍ ناعمةٍ كما تفعل أصابع الأم وهي توقظ طفلها،...
يتذكر قبل زمن طويل عندما حصل على شهادة البكالوريوس، أنه وصل إلى مدرسة النهضة الثانوية الخاصة في نهاية فترة الاستراحة، بعد الحصة الثالثة. كان الطلاب يقبلون من الملعب الصغير. شاهد المدير عليان ببذلته السوداء بالباب يصيح بالطلاب أن يسرعوا في الدخول إلى غرفهم الصفية. صاح به:
- أسرع يا باشا!
استمر...