قصة قصيرة

يغطي المساء الغرفة ببطءٍ شديد، كأنه غبارٌ ناعم يبحث عن مكانٍ ليستقر فيه داخل قلب زينات المتعب. جلست عند حافة السرير، لا كمن يستريح، بل كعدّاءةٍ وصلت إلى خطّ لم تُقرّر بعد إن كانت ستعبره أم ستتراجع. كان الهاتف بين أصابعها يلمع بضوءٍ خافت يشبه نبضًا آليًا، لا ينتمي لجسدها ولا لقراراتها. ظهرت على...
بالفعل كان حبا في زمن الكوليرا؛ أمضيت مائة عام في متاهة الجنرال معصوب العينين، سألت نفسي أكثر من مرة لم لا ينتهي موسم هذا الحب؛ للمطر سحاب يتتابع؛ والخريف موعد تتساقط فيه الأوراق، أما أنا ففي تلك المدينة أسعى، أفقد كل يوم أحد أصدقائي؛ بت وحيدا في كل شيء؛ أعاني العزلة ويقتلني الاغتراب؛ رغم كل هذه...
أحب الكاتب الايطالي مالابارته ، ابنة موسوليني شيانو ، التي تعلقت به بجنون، و لا تعلم هذه العاشقة المدللة ان هذا الكاتب اللوذعي ، كذاب لايبارى ، ذو خيال واسع جدا ، ولما كتب كتابا ضد النازية ، الذي هو كتاب ضد والدها عنوانه ( تفكيك الثورة ) ، طارده البوليس السري في كل مكان من دون العثور عليه، ولما...
في عيادة "الابتسامة الماسية" بالحي الراقي، كانت الدكتورة "شمس قاسم" تجلس خلف درع من الزجاج والجدية. يداها، اللتان تمسكان بمشرط الأسنان، كانتا تعملان بدقة لا تترك مجالاً لمليمتر واحد من الخطأ. شمس، خريجة الشرف، كانت اسمًا مرادفًا للنحت المنظم؛ تخصصت في هندسة ابتسامات الآخرين، بينما أخفت عيناها...
مِن أسبوع.. وهذا السؤال يعبث بأعصابي، يغيّر مزاجي، ويطاردني كظلّ ثقيل (وأقسم لم أكن أعلم أن سؤالا بهذه السذاجة يمكن أن يخلخل ثوابت الإنسان، ويهزّ وجدانه) أنا جديد في كندا، أعيش في مونتريال منذ بضعة أشهر فحسب، ولا تكفّ الحياة هنا عن مفاجأتي كل يوم.. كأنْ أجد في طريقي إلى المسجد لصلاة العشاء، قبل...
"أجلس القرفصاء أمام القبر الذي يبدو صاحبه حديث عهد بالإقامة بين التراب، فيما نظرات أبي تفترسني. فأسدل قُبَّ الجلباب على رأسي وأقبض بيد مرتعشة على الشاهدة الحجرية، ثم أشرع في تلاوة الحزب الذي أحفظني أبي إياه بمشقة، حتى صرت أردده كالببغاء: النعيم والجنة، والوسواس الخناس، والموت والعذاب...
النوم أصبح حلمًا، والحلم غدا عقدة الحياة الأبدية. والروح المهمشة تذوي مع أول سقوط لأوراق الخريف، والعمر لا يواكب الزمن، كقطارٍ قديم يصرخ في المدى ولا يتزحزح. رجل عجوز ينتظر دوره في قائمة الموتى بعد أن فاته آخر غروب. لحظات الانتظار تتبدد كصقيع الثلج في مرجلٍ وصلت سخونة الماء فيه حد الغليان...
أيْ حماري العزيز إن كل كلمات لغتي لا تكفي للتعبير عن مدى اشتياقي إليك. إنك تستحق كل تقدير مني، أنا جحا الذي أُعرَف بك أكثر مما تُعرَف بي. أنت حمار وفي بحق. لم تغب لحظة واحدة عن بالي، كيف أتذكرك وأنا لم أنسك ولو لثانية واحدجة؟ وأنت بعينيك الوديعتين، وأذنيك المرهفتين، وجسمك الرشيق، وهدوئك . أعرف...
تتسلل خيوط الشمس كل صباحٍ؛ يبحث ضوؤها عن قصةٍ جديدةٍ يحكيها. اليوم وفي حظيرةٍ متهالكةٍ بجوار بيتٍ طيني تعيش أربع فرخاتٍ وديكٍ واحدٍ حياةً بسيطةً، الديك واسمه " نجم " لا يغادر جذع شجرةٍ مقطوعةٍ رافعًا صدره، مزهوًا بريشه الأحمر المتوهج، وبالقرب منه أربع فرخاتٍ تتحركن بخطواتٍ خفيفةٍ " نور، قمر،...
الجالسون على جهة اليمين يرونها قادمةً من جهة الشمال، والآخرون الذين اختاروا الجلوس ناحية الشمال يرونها مقبلةً من اليمين. أنا فقط كنت أراها تتهادى في مشيتها بخفةٍ ودلالٍ نحوي. بقيت لحظاتٍ واقفةً دون أن تنظر لأحدٍ منهم. بدت كأنها لا تعلم بوجودهم، كانت بارعةً في التجاهل. ثباتُها وثقتُها بنفسها...
في قرية "كفر الغلابة"، لم يكن الفقر نقصاً في المال فحسب، بل نقصاً في الرغبة بالحياة. كانت القرية منسية، أشبه بأرضٍ تشربُ الحزن وتُثمرُ اليأس. تنحني النخيلُ فيها كأنها شواهدُ على صراعٍ قديم مع الزمن. كان الفلاحون يخرجون فجراً، لا يبحثون عن المحصول بقدر ما يبحثون عن جواب للسؤال الصامت: من يملكُ...
ماكس إرنست. رسم توضيحي لكتاب "طيور في خطر" بريشة دوروثيا تانينج، ١٩٧٥. 1 عصفورٌ كان يطارد بعوضة. -ألم تر سواي لتجعلني فريستك؟ قالتها البعوضة -لأنك تكونين في مجالي! قالها العصفور وفي ثوان التقطها بمنقاره وغيّبها داخله! 2 لاحظت الحدأة العصفورَ وهو يلتقط طريدته. فاندفعت نحوه. أنشبت مخالبها في...
لم تكن الضائقة المالية الأخيرة التي يمر جابر العلمي هي الاولى فحياته عبارة عن: أزمات تسلمه احداها للأخرى؛ ولكن جابر الفطن الاريب رقيق الحال ، صاحب الذكاء الفطري واللسان الحلو الزرب متوقد الذهن حاضر البديهة ؛ يتمتع بقدرة على التبرير؛ بإقناع تأجيل اغلب من يطالبه بدين لحين ميسرة ،أما أزمة جابر...
بلكنته الصعيدية الزاعقة حياني ، كان أول عهد اختلاطي به ، منذ البداية ارسل نفسه على سجيتها ، تعارفنا، وبدون مقدمات أخبرته بأني قدمت قريبا من مصر، رماني بابتسامة حلوة ، تمددت فوق قسمات وجهه الحنطي العريض ،اهتزت على إثرها غمازتين في خديه ،أجابني وهو يمنحني الباقي :" هذه قطعة الحلوى ، حلاوة الوصول...
على الشاطيء صياد وحيد، يلقى بسنارته فى البحر، المرة تلو الأخرى، فتخرج خالية، يصاحبه الصمت والصبر والضجر، الذى لايملك له حيلة، لايشكو قلة الرزق، ومخلاته الفارغة، اقتربت منه وسألته : هل تمكنت من صيد الفرح، وسط عتمات الحياة ؟ رسم بوجهه ضحكة باهتة قائلا : البحر دأب على مقاسمتى الهموم، ليس...
أعلى