قصة قصيرة

يتأمل وحشة المدن والأبنية، وهؤلاء المرهونين بالحياة اليومية، نفس الوجوه والتعبيرات، وكرات اللهب والوجع دون تغيير، هناك لحظات نتوقف امامها، تحفر فى الذاكرة، وتجعلنا نرتاب فى منطق الأشياء، إرتضاها لأشياء كثيرة، منها قسمات وجهها ونضارته، لا سبيل الى مقاومته، فى المقهى، احتسى فنجان قهوته، وجلس...
على مرمى النظر, كانت السفوحُ في الأعالي تنحدرُ بحدة ليلٍ صامت, فوق تلال متقاربة الامتداد ,تتلقى المَحلّةُ استغاثاتِ الأعماقِ الممزوجةَ بآهاتِ الليل, وضجر السباع, بينما تسيل زفراتُ شفاهٍ وأنفاسٌ شجريه ندية. وسط عتمه كهذه, أكاد ألمس أنفاسي اللاهثة, مجبرًا على الصمت, والطبيعةُ تصدحُ بصوت الناي...
انطلق العجوز الأخرس، بعد انتهاء عمله وقت زوال شمس النهار إلى رحلته اليومية التي لم يقطعها يومًا على مدار فترة لم يُحصِها، حاملًا معه لفافة الطعام التي أنفق عليها ما اكتسبه خلال اليوم وصولًا إلى تلك المنطقة بمنأى عن القرية، على شاطئ النهر حيث شجرة التوت العتيقة التي يسند ظهره عليها متأملًا...
في بغداد، لا تتغير الفصول في السماء وإنما في العربات. صيفٌ يُباع فيه التفكير مع العرق وشتاءٌ يُباع فيه الدفء بكأس لبلبي. الحمّال في الصيف لا يحتاج سوى قطعة بقلاوة صغيرة، أما حين يبرد الطقس فإنه يعمل دفاعا عن أطرافه. وفي هذا الفصل، تكتسب البقلاوة نكهة جديدة وهي نكهة الذباب الذي يصل إليها قبل...
جلس يوسف بين الركام، والمدينة تتنفس فوقه بصوت ثقيل كصدر مثقل بالألم . في يده اليمنى دمية قماش مهترئة، وفي اليسرى كتاب مدرسي أكلت أطرافه النار. ضمّهما إلى صدره كما لو كان يحمي آخر ما تبقّى من عالم يتهاوى. الهواء مشبع برائحة الغبار والرصاص المحترق، وصوت الطائرات يقطع الصمت كصفير يتردد بين الجدران...
ما إن تنقضي صلاة الجمعة وينتشر الناس في الأرض، إلا ويطاردني ذلك السؤال الملح في تبجح منذ شهر؛ عن الخليط البرتقالي وأكياسه تملأ كل يد، تغافلت تغافل المضطر، فقد أوكلت أمره للأيام ،مر شهر بالتمام منذ وطأت قدمي هذا السكن ، هنا استقر بي المقام بعد عناء بحث مضني، اهترأت منه قدماي أبرم الشوارع ،...
أكثر ما يضايق أستاذة بهيجة أن يسألها أحد عن شأن يخصها لم تبح به من تلقاء نفسها. تلوذ بالصمت غالبا بين زميلات العمل وحجتها التركيز مطلوب ووقت العمل للعمل حتى يكون الراتب حلالا. في هذا اليوم حاولت تطبيق هذه القاعدة الذهبية قدر استطاعتها؛ فطقم الملابس جديد والحقيبة والحذاء كذلك! سامحهم الله زوجها...
تسمَّر الابن إلى جوار فراش الأب. كان صمتُ الغرفة كثيفًا، لم يقطعه سوى النَّفَس المتقطّع الخارج من صدر الشيخ؛ صوتٌ رقيقٌ مكسور، كاحتكاك ورقتين يابستين. ثمانون عامًا تمر ببطء، لا كعمرٍ مضى، بل كمشاهد سريعة تتقلب. رفع الأب جفنيه بصعوبة. غاب ذلك البريق الحديدي الذي طالما أذل رؤوس التجّار في السوق،...
بدت نهايات الحرب تلوح في الأفق، وبقايا جسده ما زالت تقاوم في ميدان القتال. لم يبلغ العشرين من عمره، حين أُرسل إلى الحرب، وها قد تجاوزها بعام وأكثر. بعد التحاقه بأشهر قليلة، تلقت عائلته طردا من وحدته، تضمن رسالة بإمضاء الجنرال قائده الذي كتب بخط يده عبارة مثيرة للفخر؛ (كان ولدكم بطلا بحق، لقد ظل...
جالسٌ على الأرضِ وحيدًا، يستند بظهره إلى شجرةِ شارعِنا الوحيدة، لا يضحك ولا يتحرّك كثيرًا، وكأن العالم كلّه قد انسحب من حوله. هو شابٌّ مستهتر؛ يدخّن الحشيش أحيانًا، ويشرب الخمر متى سنحت له الفرصة، ويغازل فتيات الشارع، ويتحرّش بهن بلا خجل، لكنه فاشلٌ حتى في إقامة علاقةٍ واحدةٍ جادّة؛ فهو مادةٌ...
صغيرا كانت أحلامي بسيطة ، لا تتعدى مخيلة طفل نشأ بين حنايا العوز ، تمددت فاستقرت بين جنبات دكان الأفندي لم تتخطاه، اعتلت أرففه العامرة أحيانا، لامست علب من كل صنف وحجم ولون ، يتراقص قلبي طربا لمرأى حبات الملبن ،اتشهاها ،ساعة يقبض عليها الرجل بين أصابعه ،أو حتى حين ينفض يده من بقايا مسحوقها...
كان ال؛ رجلاً نحيلًا من حبر، يقف دائمًا بين جملتين لا تصافحان بعضهما، يتلقى ما قبلَه كوجعٍ قديم، ويستقبل ما بعدَه كرجفةٍ مقبلة. لم يكن فاصلةً للراحة فقط، ولا نقطةً للنهاية، بل ممرًّا ضيقًا تعبره الذاكرة نحو ما يسببه الغموض من قلق. خلفه الماضي، مزدحمٌ بعلامات التعجّب!!!!!! تصرخ في وجهه كلما حاول...
لم يكن العالم موجودا حينها، كان ما يشبه السديم، أو بين النور والظلام، وفي غير نظام. وكان على الرب أن يخلق شيئا أول الأمر، شيئا يؤنسه، يؤنس وحدته وسط هذا العالم اللامتناهي، أو وسط هذا الفراغ، استوى على العرش وخلق بمشيئته موكادور، موكادور لم يشيدها السلطان محمد بن عبد الله، المؤرخون يكذبون،...
أعلى