14- د. مدحت عبد الجواد - قراءة لقصة (في شارع شبرا) للدكتور سيد شعبان
تحية تقدير للناقد البارع عمرو الزيات حيث حرك رغبتي؛ لمطالعة هذه القصة عندما قرأت تعليقه، ولاسيما أنها عمل مغاير لكل ما سبق من أعمال للدكتور سيد شعبان.
تتجلى عبقرية القاص في مدى قدرته على انتقاء، واختيار بدائل أسلوبية...
1
يا رب
تهتف يا سمعان جاد الرب حين يجلد السوط فراغ الزنزانة. أنت يا سمعان قويٌ كثور، جلدك- تقول زوجتك مازحةً- سميك، يمكنه تحمل ألف جلدة دون أن تند عنك أنةٌ واحدة، لكن طرقعة السوط حين تشق الهواء العطن تصيبك بالجنون، فتغمض عينيك ، ويقشعر جسدك وتنكمش على نفسك كقنفد
- هعههعهع مالك يا ابن القحبة؟...
الزحف يتقدم نحو المناطق الصخرية على تخوم جبل أساريون حيث يعبر نهير بين الأكمات المتفرقة.
هناك موتى كُثر مغمورون في الزمن، وهناك آلاف على استعداد أيضاً للسقوط في هوايته السحيقة. تلك الأعين المنفتحة نصف فتحة، رمادية العدسات، كحجر كريم استخرج لتوه من تحت التراب. وتلك الشفاه الشاحبة وسط سواد يحيط...
بعد الحفلة 1
بعد أن ألقوا بالتراب، فوق الجسد،و أحكموا غلق القبر ... وقفت بينهم أتأمل حالهم. . بعضهم كان يبكى ،والبعض الآخر يثرثر فى حكايات الماضى .
كانوا يقولون عنى أشياء كثيرة جميلة ،ويصفون أخلاقى بالحميدة إلا ابن أخى ، سمير،طفل صغير، كان ينظر إليهم فى دهشة ،ثم صاح بهم :
عمى لم يكن هكذا على...
فى...!!
فى كل مكان يمكنك أن ترانا...
فى...!!
فى كل مكان تتدلى ملامحنا المفزوعة على حبال اليأس المتشابكة الملتفة حول أعناقنا لفات لولبية أخطبوطية لا فكاك منها.
فى...!!
فى كل مكان تتصاعد آهات أنفاسنا المتعبة اللاهثة حتى عنان السماء.
فى...!!
فى كل مكان تضيع ملامحنا تتشابه.. تتلاشى وسط هدير الحقيقة...
بعدت عن الكتابة منذ فترة، شغلت كثيرا برتق ثيابي، لم تعد في خزانتي غير التي تهرأت وسرح فيها الزمن، مضت رغبتي في الألوان الزاهية تلبسها أنثى جميلة، ثوبها من قطن مشجر مطرز بالورد. أسترجع الصور الجميلة لتلك الفتاة.
خدها يحمر حين يعابثها الديك الرومي يصيح وراءها يكاد يفتك بها تغيظه الثياب الحمراء...
يجلسُ هوبي هناك على العجلةِ المتروكة ، يطيلُ جلوسه بإنتظار تلك المرأة التي ترتدي عباءة يخرج منها سّاقها البيضاء. لا يعبأ بالناس ، ولا يهتّم به أحد . أمه وأخوته الثلاثة تركوه لإعتقادهم إنّه نصف مخبول نصف عاقل . قال عنه الأخ الأوسط ( وهو نائب ضابط هرب من الجيش اثناء حرب ايران ) إن هوبي سيعقل...
بات يسمعها ، ما لا تطيق سماعه، وأضحى يتعمد ازدراء كل ما تطهيه من طعام ،أو ما تقدم له من شراب .
تخلص من كل مقتنياتها القديمة التى كانت تعتز بها كذكرى لزمن ولى، أو لصديقة حميمة .
لم يترك لها من صديق أو قريب ،إلا وافتعل معه مشاجرة حامية أسفرت عن قطيعة شبه نهائية .... احتدت عليه مراراً. .. حاولت أن...
متمدداً على سرير نوم كبير، كان يرقد وبيده اليمنى هاتفه، وعلى عينيه سحابة نعاس:
- لقد كبرتَ في السن يا صديقي...نعم أدركت ذلك وأخشى أن تكرارك لنفس الملاحظات والقصص وسردك لنفس الوقائع يؤكد أنك فقدت حاضرك..
(يبتسم ابتسامة خفيفة؛ ثم تتسع عيناه) لا..مستحيل..لا لا لا..أنا لا أكرر نفس القصص ولا نفس...
تبدو الأمكنة معطوبة بفعل ما حدث؛ محاطة بسياج حديدي يلفها؛ كما المدن في الزمن الماضي؛ عزلة وراء أخرى، غير أن التاريخ لم يعتن بهؤلاء السائرين في العتمة متسربلين بتلك الخرق البالية، يحتفي بمن يضعون النجوم المتراقصة على أكتافهم ولهم ألف وجه للمكر والخديعة؛ لم تمض مائة عام في العزلة، إنها أيام قليلة،...
الى منعم العيدوني
كان صوتي هو الاعلى.
لم يكن بمقدوري ان احضر كل سكان المعمور، و اطالبهم بالوقوف على حافة خط واحد، و امرهم بالصراخ دفعة واحدة، فينقطع صدى صراخهم، و يظل صدى صوتي هو الوحيد المسموع. لكني استنتجت ذلك بشكل مختلف. اذ لا صوت استطاع ان ينتزعني من تركيزي. و لا شئ تمكن من سحبي خارج ما...
قالت عنه وقد تكرَّر رَسمُها له: إنَّه يُشكِّلُ لها إلهامًا وتخيُّلًا في رَسمِ لوحاتِها ، عندما خرجَ سِرُّها من خَلفِ اللوحاتِ التي رسمتْها تعمَّدَ حضورَ معارضِها حتى تلك البعيدة عنه ، أسرَّت لصديقاتِها إنَّ ملامحَه السَّمراءَ تجعلُها تختارُ الألوانَ الداكنةَ التي تفضلها والتي لاقت إعجابًا...
هزيمة مؤقتة ! ككل صيف يجتمع بعض شباب الحي قبالة منزلي ، يبدأ اجتماعهم و شملهم عند التاسعة ليتمد إلى ساعة متأخرة من الليل ، تصلني أحاديثهم عبر نافذتي التي اتركها غالبا مفتوحة طوال اليوم ، يحتاجون فقط لمؤرخ يوثق طرائف و مواقف و قهقهات تزيد حدتها كلما استرسل بهم المقام فأصابتهم لعنة الإندفاع لخوض...