حين غادر منزله صباح اليوم إلى المدرسة لم يكن المعلم أمين محمود قد تناول إفطاره ، لحقته زوجته قائلة :
ـ الدقيق كمل وكذلك الزيت والسكر
ــ ...
ـ اليوم سنأخذ من الجيران لكن ماذا عن غدا ؟
وأضافت :
ـ لو كنا حاسبنا الدكان كنا أخذنا ما نحتاج لكننا لم ندفع له ، وأنت ما جمعت من مبلغ دفعته لبائع القات ...
لا أدري لِمَا أشّعرُ أنّ الليلة تشبه تلك الليلة! ..
صفحة السّماء المكفهرة وامتلائها بالسّحب السّوداء تنذر ببردٍ شديدٍ ..
تلفتُ حولي لعلي أجدَ ما يحميني من المطرِ المنهمرِ والرّياح المجنونة التي أخذتْ تعبثُ بشعري وصوت الرعد كأنه يناديني ليتلو عليّ ما اقترفته من آثامٍ .. لم أجد سِوى شجرة جوز عجوز...
شدَّوا العمائم على رءوسهم الذائبة في سعير الحر، و الشمس، وجرجروا أقدامهم و نعالهم، التي ثقبها الحصى على الرمل، و ترنحت من حولهم كباش هزيلة، ونعاج ضامرة البطون. منذ متى، وهم هائمون على وجوههم في تلك الصحراء الحارقة؟! منذ متى وخيبة الرجاء لا تفارق تجوالهم؟! من وقت إلى آخر كانت المراعي الخضراء و...
كبُحيرةٍ هادئةٍ تَغشَّاها الطَحالِب كانت تُخفى آلامها تحت ابتسامة باهتة، قررَت المواجهة، وكلما واجهوها بالعادات والتقاليد أعلنتها مُدويَّة: لستُ مُقتنعة بما يَرجع إلى (هذا ما وجدنا عليه آباءنا) ولو بقيتُ بلا زواج ما دمتُ حيَّة.
حين سافرَ والدها للعمل في أوروبا منذ ما يربو على عشرين عاما...
دخل الفرندس مقهى فلورنسا. وهذا المقهى، دون غيره من مقاهي الشوارع الكبرى وسط العاصمة، لا يتّسع لأكثر من عشرين كرسيّ حول خمس طاولات خشبيّة عريضة. ولا يُسمح لرواد المقهى بتناول مشروباتهم وقوفا. وأغلب روّاده مثقّفون وأشباه مثقّفين وكان ذلك ظاهرا للعيان من هندامهم ووجوههم وطريقة حديثهم إلى بعضهم...
كانت معركة دموية وقاسية وفوارة .. لكن سكينته لم تسقط من يده حتى غرزها في عنقها عميقا .
فتاتها الصغرى الخمرية , بدوية الحسن والطبع واجهت موتا سريعا وجميل التنفيذ .. ثلاثون رصاصة من طليقها الاسود لم تفلت منها الا رصاصة واحدة اخترقت الجدران واستقرت في ثلاجة جارها ..
دعوه اصدقاؤه ليستمتع بامرأة...
الأمازيغ ينادونها ماتيا، والعرب زهرة. في المدرسة كانت تطرب للاسمين معا، ولا تفرق بينهما. اليوم تجلس وحيدة في فناء البيت. زوجها يوسف هاجر إلى الجنوب للبحث عن شغل مثل أغلب شباب القرية. عندما يطول النهار في فصل الصيف، يعمل في أوراش البناء. المقاولون مثل البق، لا بد أن يمتصّوا دمه أكثر من اثنتي...
مؤكد أن ما أخبرني به ذلك الرجل الطيب قد حدث؛ بت أتساءل وماذا بعد؟
علي أن أغادر تلك المدينة على وجه السرعة؛ ثمة أخبار ترد من وكالات الأنباء أن التماسيح تخرج إلى الشاطيء؛ حين اتصل بي صديقي صبري شوقي أكد لي هذا؛ إنهم يبتعدون عن النهر؛ لم تعد السفن تشق ماءه؛ حين وضعت رأسي على الوسادة مستجلبا النوم...
جلس القرفصاء على الحصيرة التي تتوسط الغرفة، وهو ينظر إلى المعلاق... ذلك الحبل الذي يصل بين حائطي الغرفة، وتعلق عليه ملابس كل من يقطن المنزل، راقب جلاليب والده على جانب المعلاق يليها ملابسه ثم ملابس والدته ثم إخوته، ظل محدقا في المعلاق، وعلى وجهه علامات الامتعاض، فهو بالنسبة له رمز للفقر الذي...
وقف الشيخ حمدان وسط الحلقة بعد أن التفّ حوله جمهور قليل من المسنين. قبل ظهور الهواتف النقالة كان يُحس نفسه يجول ويصول كعراف يُحلق بأجنحة بيضاء بين العوالم من غير حدود. يطير من الحاضر إلى الماضي أو المستقبل من غير أن يشعر به من يستمتع بحكاياته. اليوم لم يعد أحد يهتم بما يغزله من قصص، تُوقف الشعر...
سقط سلمان مريضاً منذ ستة أشهر تقريباً ، إثر عودته من رحلة صيد قام بها منفرداً إلى المصايد المحيطة بجزيرة جوبال ، وكان رزقه وفيراً فى ذلك اليوم ، وبمجرد وصوله لمرسى القوارب المقابل للنجع ، أفرغ حمولة القارب من الأسماك ، وباعها على الفور لأحد تجار الأسماك ، ممن كانوا ينتظرون وصول الصيادين إلى...
وممّا رواه الإشكيمو عن نفسه، بعد أن صار الناس يُنادونه الفرندس، أنّه خرج مساء يوم من أيام السبت يتسكّغ في شوارع العاصمة ولم يكن في جيبه من المال سوى نصف دينار واحتار في ما سيصرفه فاكتفى بسجائر معدودات وشيء من قلوب عبّاد الشمس المقليّة مضى يقضمها ويلفظ قشورها وهو يسير. ومن حظّه العاثر أنّه لفظ...
بمزاجيةٍ ورديةٍ لِنهار ربيعي مبهج، بسكينةٍ رهبانية، دون ضجيج، استيقظتّ زهرة الكالا البرّية، تثادبتْ برقة ثم
مسحتْ خدودها مما عَلِقَ بهنَّ من ندى الفجر!
شعرتْ بالحياة تدبُ في سيقانها بعد سريان الرّوح في جذورها، عيناها تماهي الحياة بصمتٍ وسط ثرثرة الموت.
أحستْ بِسحر المدى الكامن في سِرّ...
زارتني ومعها كارت صغير وحقيبة هدايا أدخلتها إلى غرفتي، فأنا في حالة صحبة لنفسي اليوم؛ فلقد اعتدت أن أجالسها يوما من كل شهر. كانتا عيناها تلمعان وكأنها تعيش قصة حب،
سألتها: لمن تهدين هذا الكارت ومن هو ذلك الفارس؟
ضحكت ضحكتها الناعمة ذات صدى الاتزان النفسي الذي أفتقر إليه،
- بابي، أبي، بابا،...
في البيتِ الحزينِ . يجلسُ على الأرضِ واضعًا راحتيه على فخذيه. يطوحُ رأسَه يمنة ويسرة مبتسمًا . تعلو ضحكتُه عاليةً كلَّما سمع صوتَ القطارِ الذي يمرُّ من المحطةِ التي يطلُّ عليها بيتُهم . تنظرُ إليه أمُه في أسى ؛ فلمْ يعدْ الآنَ ذلك الجسدُ الصغيرُ الذي كانت تحملُه . صار اليومَ رجلاً لكن لا تتعدى...