تَسلَّل عطرُها في هدوءٍ ليُعلن عن مجيئها، كوشوشةٍ قديمةٍ يعرفها القلب قبل الأنف. توقّفت أنفاس القاعة. تحوّلت الأعين عن المحاضر الماتع، واشرأبَّت الأعناق إليها في شَغف، كأنها الحلم حين يمشي على أطراف الوقت.
تهادَت بين الصفوف في شموخ لا يطلب اعترافًا، لا تعبأ بهمهمة الانبهار ولا...
تململتُ فِي مقعدي وأنا أنظرُ إلى الساعة المُعلقَةِ على الحائِط، والتِي تشيرُ عقاربُها إلى عشرين دقيقة بعدَ الثامنة مساءً، ارتشفتُ آخرَ رشفةٍ مِن فنجانِ القهوة، ثُمَّ وضعْتُه على الطاولة أمَامِي، والتِي أسعَى إلى الجلوسِ عَليها في كلِّ مرةٍ أرتادُ فِيها هذا المَقْهَى؛ فهي تقعُ فِي آخره، حيثُ...
الحياة هنا قاسية.. بلدة صغيرة تُحيط بها جبال مكسوة بأشجار الأرز.. قلة فرص الشغل تجعل الناس تجمع المال بصعوبة، لكنها تنفقه بسخاء في لحظة لهو. البعض يعشق الغناء والرقص.. قد يبيع كل ما يملك، ويقامر به من أجل سعادة عابرة قد لا تطول أكثر من ساعتين..
هدى سترقص اليوم بمقهى شهرزاد.. تعجب حمو كيف أطلق...
حاسة الشم لها تأثير كبير على شهية المرء عندما يقع تحت طائلة الجوع، في بداية تجولي وتسكعي :فى أحياء وشوارع دمياط وازقتها فى محاوله لفض ما غمض من اسرار المدينة وعوالمها الخفية بعد تجاوز فترة الصبا واحساس ببروز نفسي : فى علاقة جدلية شبه معقدة لحد ما بيني وبينها، لكوني أعتبر كل ما عرفت ومارست...
دقائق قليلة احتاجها لكي يستوعب الهدوء الضبابي للفضاء الذي وجد نفسه فيه هائما وهو مُلقى على سريرٍ أبيض، و مُحاصرٌ بين أربعة جدرانٍ وسقف اعلى من المعتاد.
جفل قليلا عندما كانت الابرة الدقيقة تخترق جلده ، رفع عينيه المنهكتان الى الممرضة الشابة معاتبا ، والتي أجابته بابتسامة:
- الحمد لله على السلامة...
- صباح الخير.. كيف الحال عمي العزيز أبا خضير.. أراك مبكرا اليوم؟
قالها الرجل الذي اعتاد أن يبدأ كل صباح بتحية أبي خضير في نفس الوقت تقريبًا. قبل أن يفتح محلاً له لبيع الخضروات على الطرف الآخر من السوق.
- صباح النور، لو تترك عمك وشأنه لكان أفضل
- على رسلك عمي أبا خضير، أراك لا تتحمل مني كلمة؟...
حين اقبلت على قريتي، شعرت بثقل الحقيبة التي أجرها خلفي، وايضا .. شعرت بشيء من الفرح الممزوج بالخوف ... كان اهل قريتي جميعهم في استقبالي، الاّ ان وجوههم واجمة وهي تنظر لي .. حييّتهم لكنهم ظلوا على وجومهم، ونظراتهم صارت تخترقني كالسهام .. هم ابناء قريتي الذين اعرفهم منذ عقود او الذين فارقتهم منذ...
تمثل هذه المجموعة سردًا حيًّا نابضًا لحيوات شخوص يعيشون على حواف المدن، على تخوم الحلم والانكسار. ما يميزها ليس فقط أسلوبها الواقعي بل طابعها الشاعري المكثف، إذ تنسج القصص بلغة تفيض عذوبة وألمًا معًا، فتؤرخ للمدينة من خلال الوجوه البسيطة: بائع العطور، بائع الحمص، الخياطة، عامل التوصيل،...
سأل عبد السلام ابنه عمر عن سبب الضجيج القادم من الخارج.. وهل عاد صخب المظاهرات إلى الشارع من جديد.
أجابه عمر وهو يرتدي حذاءه الرياضي:
ـ نعم.. ولكن الأمر مختلف الليلة.. الناس تخرج إلى الشارع احتفالا بقرار مجلس الأمن حول مغربية الصحراء..
كان قد تابع الأخبار وسمع بالقرار، لكنه لم يتصور بأن الناس...
حتى تلك الظهيرة، لم يكن هناك ما يدفعه للتفكير أن هناك أية شائبة في نصيحة (أبي كمال) التي لقنها إياه وهو في بواكير انخراطه في هذا الدرب، الذي وإن كان قد دخله مضطرا، ولكن يبدو أنه يتحول شيئًا فشيئًا إلى أسلوب حياة لا فكاك منه
- ولدي، عليك بالمستشفيات، فهي ضالتك، خاصة بوابة ردهة الطوارىء، فهي...
"ما بيننا خصومة شريفة، عداء يقف عند حدّ، لا نتجاوزه بأي حال.. أليس كذلك؟"
هكذا أخبرني "مؤمن سالم" حينما التقاني قبل مغرب أمس بقليل، وأنا في طريقي إلى مقهى «الحريف».
لقد تحاشيتُ السلام عليه، تجهمتُ في وجهه، أعرف أنه يبادلني كراهيتي الصريحة له بمثلها وزيادة.
قد اتفقتُ معه فيما قال، وزدتُ: أرحب...
بينما كانت شمس الصباح الباكر تتسلل عبر نوافذ العمارة العتيقة في حي شبرا، وقفت "الحاجة صابرة" عند سفح السلم كطائر جريح. السكري وخشونة الركبة جعلَا من كل درجة صعوداً موجعاً نحو الجحيم.
همست بصوت خافت:
"يا رب سَلِّمْ.. كم درجة سُلّم صعدت وحيدة في هذه الدنيا؟"
اتكأت على عصاتها البالية، تتحرك ببطء...
تعوّد أن يناديَ كل حيوان باسمه، أما أنا فقد سماني “إيدي “ ولكثرة ما يناديني به صرت أطل برأسي كلما سمعته يلج باب الحديقة وبين يديه بعض الطماطم الطازجة وشيء من أوراق الخس الخضراء .
فأتحرك بين الأعشاب لعلني أصل قبل أن تسبقني إليه صديقتي "لورا" السلحفاة التي تكبرني قليلا والتي وجدتها هنا حين جاء...
بالكاد كان يمسك تلك الدموع التي تُحاولُ أنْ تُخترقَ حصونَ شجاعتهِ، فَكُلّ دمعةٍ تُسقطُ ستكون نبوءة بِقُربِ الانهيار، كان الأمل قد تلاشى، أو أوشك.. لم يبق له سوى خيارٌ واحد، النهر ، النهر البارد الحرون ، الذي يجري بسرعة لا ترحم، ومنفذٌ ضيق على الضفة الأخرى، حيث قد يجد ملاذًا، أو ربما موتًا آخر،...
خرج بعد ان أستحم وهو يغني.. قولي أحبك كي تزيد وسامتي فبغير حبك لا أكون جميلا.. سعيد بما يردد شارف على العقد الخامس من عمره بعد ان يأس بإ يجاد الحب الذي ينشد، فرك شعره بشدة مزهوا به، وقف أمام المرآة وهو يتطلع إليه قائلا: يمكن ان يفي بالغرض، كما اني احب ان يظهر الشعر الابيض على جوانب رأسي، لقد...