قصة قصيرة

العمل كثير. والحركة دائبة في ارجاء الغرفة حيث التف خمسة موظفين حول منضدة كانهم في اعمال تجمعهم، وراحوا يتبادلون أطراف الحديث لقتل الملل والاستمرار بنفس الهمة، بينما راح محمود في غمرة الحديث يشاطرهم كل رأي ، وكل كلمة تقال، فقد اعتاد أن يكون الطليعة في الكلام عن تجاربه وحياته الشخصية المتدفقة...
"هادا ما اسمو شعر.. هادا اسمو علاك فاضي" قالها لي من أعلى برج معاليه وهو يرمي أوراقي بوجهي. لا أدري كيف لملمت تناثرها وأنا أكرّر اعتذاري من فخامته، واصطدم بالكرسيّ أثناء انسحابي المرتبك .. لتسقط ثانية من يدي، فأتركها وأغادر على عجل كأني أفرّ بروحي. كنت أخنق دموعي طوال طريق عودتي محدّثاً نفسي...
لا يعرفُ إن كان مخطئًا في عدمِ الردِّ عليها، أم أنَّه ألقى غرامَها كمن ألقى قارورةً أنيقةً لتكونَ شظايا على سطحٍ خشن ، بالنسبةِ له فقد جرَّب الحُبَّ؛ كان عندهم قطةٌ بيضاءُ صغيرةٌ في غايةِ الجَمالِ والدلال ، تتركُ الجميعَ وتقتربُ منه لتتمسحَ بذيلِها في ظهره ، يقدِّمُ لها الحليبَ ويتفرغُ لمشاهدةِ...
عاد يوسف الى بيته كامد الوجه مغموما تائها، بعد أن أمضى ساعات يجوب الشوارع والأزقة، لم يترك أي مكان لم يبحث فيه عن أمه التي غادرت بيته منذ ثلاثة أيام ، شاركه البحث القاصي والدّاني من ألأهل وا لجيران، طرقوا كل ألأبواب اتصلوا بالدّرك، بحثوا في مستودع الأموات، نشروا صورها في كل المواقع...
في غرفتها المغلقة، مازالت العجوز ممددة أمامهم، في سكينة لا تفيق، الوقت يمضي ومازالوا جِثيًّا حولها، رجالًا ونساءً يتحاورون. قال رجل: - لننزع القرط الذهبي من أذنيها، وتلك السلسلة حول رقبتها. سأل ثاني: - كم سوارًا ترتدي في معصميها؟ وأضاف ثالث: - يبدو أننا سنعاني في انتزاع هذا...
كنت محتالا حين كتبت أنني لن أسر إليكم بما دار في ذاكرتي. أرجو ألا أكون كذبت عليكم هذه المرة؛ إنها عادة نشأت عليها؛ حيث تحلو الخرافة في بيوت مسكونة بالجن الأحمر. أو لعلي ممن تدثروا بثياب الأجداد فيرفلون فيها وهم لا يشعرون، نحن هنا نعتاش على المفردات التي نسمع بها ومن ثم نقتاتها فإذا بها تدب...
تركته وحيدا، نصف جسد، والنصف الآخر، مقبور بالشلل، يطوي المسافة من القرية إلى المدينة، بنصف جسمه المعتل بالشحم، يمشي مائلا، يتصبب عرقا في اليوم الشاتي، يرفع بيده اليسرى منديله المحلاوي، يربت على عينيه الملتهبتين من ملح العرق، تعلم صنعة النجارة، يستهل يومه كل صباح بالجلوس على مصطبة المسجد : السلام...
تتوثب دفقة من ضياء الفجر على ظهر السحب الصامدة، أجر خلفي قدمين قد أصابهما التنميل، أغمغم بحكاية العاشقين اللذين سكنا البناية الزجاجية المقابلة، وكيف انقضت تلك الليلة التي اتفقا فيها على أن يغرقا في بحر النسيان. ما زلت أذكر ذلك العشاء الذي كنت أراقبه.. كانت المرأة ترتدي فستانًا قصيرًا قاسي...
حمدان الجنيدابي.. يتذكَّر: أنه.. في تلك، الليلة الليلاء. حيث الزمان.. كان هو، غير الزمان. حيث المكان.. كان هو، غير المكان. حيث الناس.. كانوا هم، غير الناس. حمدان الجنيدابي.. يتذكّر: أنه.. في تلك الليلة، بعينها.. لا غيرها، أرعدت السماء، دونما سحب.. واهتزّت بفعلها.. الأرض، والجدران، والبشر...
في أجواء شهر يناير الشتوية ، وسنان الزمهرير تخترق جسدي ،طوقت جسدي بذراعىَّ أستدفئ بهما ، وقد أخذ قبطان الطائرةِ يرتفع بها تدريجيا عن الأرض ، باحتراف مُشَوِّقٍ ، وها هو النهار يطارد الليل ، يجليه عن كوننا ليبسُط فسطاطه ، على كونٍ بالجانب الآخر من الأرض. ‎ألصقت وجهى بزجاج النافذة المجاورة ، ألمح...
على مقربة من نهر مدينتي الذي أعشق السير حافيًا على ضفافه ساعة المغيب .. وبينما أنا منشغل بصوت جريان مياهه .. تعثرت بشيء .. كانت جثة طائر السامون .. توقفت وكأنها المرة الأولى التي أشاهد فيها طائر مقتول .. ليس منظره وهو ميت من أثارني .. بل تلك النظرة في عينيه والتي بثت الحزن في قلبي...
مثل كل الصبية لم تشهد ايامة سيركا حقيقيا إلا في تلك الأيام من صباه في البصرة، كان يسكن في منطقة تسمى الطويسة وهي في الجهة الاخرى من الجسر الاحمر الذي كان الموقع لنُصِب خيام السيرك الكبيرة والصغيرة، ذُهِل حقا بما يراه من رجال ونساء وحتى أطفال بعمره أو اكبر منه قليلا وهم يتواكبون بين الحشد الكبير...
ركبت السيارة بجانبه وانطلقا يطويان المسافات، و يشاهدان حقول القمح وقد اصفرت وحان حصادها’ ويستمعان لموسيقى هادئة من سنفونيات بيتهوفن الجميلة ، كان متيما بها ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة، تحابا وتواعدا أن يظلا مخلصين لبعضهما وأن لا يفترقا أبدا، كان لا يمر يوم عليهما دون أن يلتقيا، يتنزهان...
أعلى