استغرق وقتًا طويلًا حتى شعر بنبضات قلبه تتدفق، كمن يعود من غيبوبة حلمٍ قديم. كان يتكئ على حافة الزمن، كغريبٍ تاه في زحمة الفوضى، يرى الأفق ضبابًا يعانق السماء، فيواري صفاء النهار، ويبث في نفسه دائرة من الشك، كمن يسير على خيطٍ رفيع فوق هاويةٍ لا قرار لها.
صدى صوتٍ يخترق حدود الصبر، كأنه...
اشتكى الهارب من الخيالات والأشباح اللعينة التي تطارده في كل ليلة حين يخلو إلى نفسه وهواجسه في ظلام الليل الدامس فقال بتضرع في نغمة يسودها الكثير من الحزن الذي يعتصر ألما : آه على رسلك أيها النهار لماذا تصر على الرحيل وأنت تعلم جيدا أنني غير جاهز بعد لهذه المغادرة الطوعية كفاك عنادا وأصغي إلي...
لا أعرف لماذا أتبع صديقي المجنون، أسير معه أنى ذهب، ربما لأن مراقبة جنونه، يوفر لي بعض السرور في غربتي، ها هو اليوم، عندما وجدني في باب العمارة أدخن سيجارتي، حدثني بالإشارة، وبعض الكلمات التي بالكاد أفهم معناها، أن أصعد معه الى سيارته، التي هي عبارة عن غرفة معيشة متنقلة، تتوفر فيها كل لوازم...
في سنة لا تقيسها الساعات، عند حافة الألفية الرابعة، كان الزمن قد فقد معناه القديم، وصار يُقاس بعدد النسيانات التي أصابت البشر. المدن أصبحت عائمة في فضاء من ضوء، والخرائط طُويت كأوراق قديمة، إلا خريطة واحدة… خريطة محفورة في وجدان أرواح لا تعرف الفناء.
في أرشيف كوني اسمه الذاكرة الأولى، كانت...
مكثتُ غير بعيد، ثوانٍ فقط مرت منذ إفاقتي، لكنها بدت كعمرٍ بأكمله. آخر ما أذكره: حضرت إلى المستشفى بعد معاناة شديدة مع الآلام التي هاجمت صدري بضراوة، كآثار جانبية لمرض السكري، وبعد مناكفة مع طبيب الطوارئ؛ إذ ظن أنني أتدلل وأضيع وقته الثمين، ولا أعاني من أي شيء، أدرت له ظهري، فهويتُ أرضًا عند...
كان جائعًا، والمنبِّه الموضوع فوق جهاز التليفزيون يشير إلى الثانية، وما زالت هناك ثلث ساعة على موعد سيد، وعندئذٍ يبدءون جميعًا الأكل.
ومال برأسه قليلًا يُنصِت إلى حركتها في المطبخ. كان يعرف أنها تنتقل الآن بنشاط، رغم أعوامها الخمسة والستين، بين الحوض والبوتاجاز والمائدة ذات الغطاء الصاج، وأن كل...
الحب كالصباح ينير الدروب، وينشر الارتياح ويصافح الاحباب، لغته شفيفة هامسة مثل هسهسات الانسام،
الحياة دونه مثل شجرة عجوز غير مثمرة، يفتح النوافذ دون استئذان ويدخل الغرف الموصدة، يتركها مشرعة لينفذ منها الحب والنور والمطر، جميلة مثل زهرة برية متفردة نبتت دون جذور بين حنايا الصخور وتكلس الشواطيء،...
لم يكن كريم يمشي إلا والابتسامة تزين شفتيه.
في عمله، يغطي على زملائه عند الخطأ، ويحمل أعباء الغائبين، وهو يضحك.
يضحك في وجوه الناس دائمًا، حتى حين يخذله أقربهم.
يمشي بخفة بين الممرات، يحيي الجميع كأنه لا يعرف الغضب.
كانت ضحكاته تلك تثير حفيظة مدير الشركة، الذي يتهكم عليه قائلاً:
"دائمًا متفائل،...
عند المنعطف الأخير من الطريق بينما كان الغروب يحني ظهر المدينة حيث بدت الظلال اكثر انتشارًا من الضوء، كان ابني الصغير ذو الاعوام التسعة يمسك بيدي، وكأنه العالم الذي أخبِّئه في عينَي، بدأتْ الطريق تضيق كأملي في الوصول سالَمَين إلى البيت، وقبل أن يلمحَ طفلي الصغير ما وقعتْ عليه عيناي، انعطفتُ عكس...
في ليلة من ليالي ديسمبر الباردة، أما من جديد..؟ قلتها لنفسي قبل أن أتخذ قرار السفر المفاجئ إلى بورسعيد.
كعادتي جلست بالقرب من النافذة؛ أراقب المدى وأغيب شيئا فشيئا في اللاهناك. تعتريني حالة أشبه بالإسقاط النجمي، كأني أنسل من جسدي تدريجيا بينما يتوقف الزمن و...
ترررررررررررررن..!!!!!!!
استفقت...
في زمنٍ اختلطت فيه الفصول، ولم يعد للزمن عقارب تهتدي بها الأرواح، يتكئ الحنين على أكتافنا كشيخوخة مبكرة، ونحمل بين أضلعنا ما لا يُقال، وما لا يُنسى. هناك حيث الصمتُ أعلى من كل ضجيج، والوجعُ متخفٍّ في ملامح من يُجيدون التماسك... يولد هذا الكلام.
حتى الطقس فقد بوصلته، والسماء أصبحت غامضة، لا تعرف...
الليلُ دابَّةٌ عرجاء يتقدَّمُ نحوي في بطء ويجثمُ على صدري...
كلَّما تقدَّمَ رغبتْ عينايَ عن الغفو.. أظلُّ على هذه الحال إلى أن يتلاشى الظلامُ ويُرْخي النهارُ ضوءَهُ طارداً الستائر التي حجبت نوره. تأخَّرَ سطوع شمس النهار اليوم، سماء حالكة فوق رأسي المثقلة بالهموم.. كلما أوغلَ الظلام وانتشر حولي...
باب صالة الحفل لم يُفتح، بل انفجر، كما لو أنه بوابة قلعة محاصَرة.
دخل سيادته، لا ماشياً، بل مترنحًا من ثِقل السكر، خطواته تميل مع الريح، ويسوقه خمره لا فكره. خبط الأرض بقدمه اليسرى خبطة حاسمة، وكأنه يطبع عليها ختم ملكيته المطلقة.
خلفه تسيل حاشية من الكلاب، أنوفها تستنشق الكلمات قبل أن تُقال،...
في صباحٍ من صباحات إسكندرية مطلع القرن العشرين، والشمس تُطل بخجل من فوق البحر وتنسكب على الواجهات الإيطالية بشُرفاتها الحديدية المزخرفة، حي العطارين يعزف سيمفونية كتبها قلب المدينة.
في الطابق الثاني من بيت عتيق، متآكل الأطراف، عظيم الجوهر، اجتمعت الحكاية.
في هذا البيت، يسكن سليم أفندي المصري،...
في ليلة قمرية، كان الضوء الفضي يغمر الأرض، ويكسوها برداء من السكون المهيب. الهواء ساكن، لا ريح تهب، ولا صوت يُسمع سوى خفقان الصمت الشديد الذي يلف المكان. كان القمر في منتصف السماء، يشع نوره الباهت، كعين ساهرة تراقب الزمن. وفي أعماق أحد الأهرامات المهجورة، حيث لا حياة ولا حركة، بدأ شيء غامض...