عنها تلك التي لم تشتكِ يوماً، لم ترفع صوتها، عن تلك التي كانت تمضي في الحياة كما يمضي النسيم في الأزقة الضيقة، حاضراً لا يُلاحظ، مهماً لا يُحتفى به. كانت هي هناك تجلس في الزاوية وتُرتّب الفوضى بصمت، التي تُنصت أكثر مما تتكلم، وتفهم دون أن يُشرح لها شيء، لم تكن تطلب الكثير، فقط أن يُرى وجودها دون...
ذكرُ طيرِ الكناري “خمري”- بلون ريشه الأصهب وأناقة مشيته الآسرة للنفوس المحبة للطير وللجمال حين تحدث فوق أرضية القفص، وقفزته الآخذة بالألباب على الأعواد المنصوبة بين الأعمدة الحديدية الدقيقة المصفوفة كغصون أشجار طبيعية له، ووسامة جسده العالية عندما يطير في الفضاء الضيق- يدخل في نوبة تغريد طويلة...
طارت الكرة في السماء الملبدة بالدخان المتصاعد من الألعاب النارية التي أطلقها المشجعون، ثم هبطت وكأنها تسير، مقوّسة مثل الموزة، وفق مقياس هندسي دقيق في اتجاه قدمه. تسلّمها المهاجم بسهولة ساحرة، لينفرد بالمرمى في الثواني الأخيرة من نهائي بطولة كأس العالم للقارات، لكن الخصم لم يسمح له بامتلاك الكرة...
كلّ ما تبقّى هناك كانت ضحكةً معلّقةً في الهواء، ولحنًا حزينًا على وتر الربابة الوحيد.
كان "أقيسا" يضحك كمن لا يعرف للحزن بابًا، او لم يختبره يوماً ،وكأنما خُلق لنثر البهجة، ليغنّي ليرقص ويعزف على ربابته ذات والتر الوحيد ، فينطقها أعذب الألحان وكأنها أوركسترا متكاملة.
شابٌّ أبنوسيّ الملامح في...
شعر بقلبه ينبسط ثم يعود لينقبض، بوتيرة أسرع من إنقباضته الأولى، مطرقة تدق برأسه أنسته إسمه وبيته، والصورة التى كان عليها منذ ساعات، حين طلبت منه حبيبته أن ينساها، ولا يعاود الإتصال بها ثانية دون أن تبدي سببا، ربما أصابها الملل فى علاقة لم يؤسس لها على نهايات مكللة بثوب الفرح،
تبددت أحلامه، أصبح...
....................
تحت ضغط ..
إلحاحها الشّديد ومعسول كلماتها الناعمة أحيانًا والتي تَجيدها ببراعة أو كما يُقال: (تعرف من أين تؤكل الكتف) واللّاذعة أحيان أخرى, تفككت قسمات وجهه الغاضبة وقد أبدى موافقته المبدئيّة على التّقدم لشغل وظيفة ما في احد الشّركات الخاصة, ربّما كان ذلك سببًا لمضاعفة دَخله...
خرجت من الكوخ كما تنبت زهرة عنيدة من بين الصخور، تحمل معها عبيرًا يوقظ الحواس وخطوات بالكاد تلامس تراب الأرض، كأنها انسكاب من نور الفجر. خُيّل إلي أن الأرض تحتفل بمقدمها، وأن أنفاس الريح ترقص بين شذى عطرها.
كانت قصيرة القامة، رقيقة الملامح، لا تُقاس بجمال مألوف، بل بجمال يلمس الروح ويبهر العين...
للمغرب لون لا يشبه لون الصبح، وفي النهار جنٌّ ليسوا كجنِّ الليل، وفي داخلي شوقٌ كبير لمطرٍ يجمعني مع “صلوات” حبيبتي الغائبة عني منذ زمن بعيد، وبخور الليل ينتشر في فضاء شقتي الصغيرة المتواضعة وقد سبقه بخور النهار في التصاعد من فوهة المبخرة اليدوية المزينة بالدبابيس ذهبية اللون؛ ليملأ المكان...
أثناء تجول القاص والطبيب الروسي تشيكوف ذات صباح في احد احياء موسكو يلقى الناس بوجه طلق ونفس سمحة، وإقبال على بلا حدود على الحياة: فوقع بصره على الكاتب دوستويفسكي في مفاجأة لم يكن يتوقعها, على مقربة منه : فاتبع تشيكوف اثره رغبة في مناقشته في قضايا أدبية فهو ليس روائي هو رائي ومتنبئ من وجهة نظره،...
كل ليلة وفى نفس الموعد ...يعود إلى بيته مرهقا ....يدير مفتاحة فى الباب .... فتظهر أمامه كما في الليالي السابقة... قابعة على كرسيها المفضل أمام التلفاز وبيديها خيوطها التى لا تنتهى أبدا من غزلها على أشكال شتى من الملابس لأبنائها أو لأبناء إخوتها أو أبناء صديقاتها
يدخل فى هدوء وتؤدة ... يلقى عليها...
في الشوارع المكسوة حديثاً بالإسفلت، تمضي وسط زحام المركبات سيارة خصوصي بيضاء يقودها شرطيّ يعمل فترة استراحته سائق أجرة. كان يفترض بالشرطيّ وقد انتصف الليل الآن، أن يعود لاستلام واجبه الذي سيمتد حتى حلول الفجر، لكن رجلاً عجوزاً وامرأته أومئا إليه في طريق العودة كي يوصلهما إلى مستشفى الولادة. كانت...
ها أنا ذا تائهة في الزمكان..
كان الوقت ليلاً.. بعد عشاءٍ ردئ. قلت لها: هيا بنا نغوص في غياهب المكان(...)، دخلت من البوابة الزمنية موقنةً بأنّّي سأنتقل إلى عوالم أخرى، سرتُ مسحورةً نحوها..
وولجتها، بعد قشعريرة لم تفارق جسدي البتة.
دخلتُ فتملّكتني رعشة لم أستطع تحديد مصدرها أ من الحنين جاءت؟...
قال مرشح من الأعلى لمواطن من الأسفل:
ـ إذا صوت علينا وفزنا بالانتخابات سنقوم بإصلاح التعليم والصحة، ونقضي على البطالة، ونشغل الشباب، ونوفر السكن اللائق..
جال المواطن بعينيه يمينا ويسارا.. كل الذين صوت عليهم من قبل قالوا له نفس الكلام..
ركز عينيه في عيني المرشح ورد بالواضح:
ـ سيدي اسمح لي ربما قد...
يطلق الشتاء زفيره على الإسكندرية، ترتجف الأرصفة، تنكمش الشرفات في معاطفها الحديدية، وتتكوّر القطط قرب عتبات البيوت.
صباحٌ ملبدٌ بسحبٍ رماديةٍ ، يخرج "عزيز" إلى البحر كعادته كلما ضاقت به الأرض، يرتدى معطف أبيه القديم، ذي الأزرار الخشبية الداكنة، يدير ياقته الصوف إلى الأعلى، رصيف الشاطئ خالٍ إلا...
في إحدى حواري العاصمة التي لا تنام، حيث الحياة أرقام تتدفق على الشاشات، عاش آدم كظل بين الظلال. في مكتبه، حيث الجدران البيضاء الباهتة، وشهادة الموظف المثالي المعلقة بخيط مهترئ، يقضي يومه بين شاشة حاسوب تومض كأنها تكافح للبقاء مستيقظة، وطابعة تخرج الأوراق بنفس الإيقاع المتكرر. يدخل السجن صباحاً...