كانت تجلس على المقعد الخشبي القديم في الحديقة المطلة على البحر، والنسيم يمر بخفة بين أشجار الكافور والنخيل، يترك خلفه رائحة الملح مختلطة بعطر الأزهار. أمامها كتاب مفتوح، لكن عينيها لم تستطع أن تركزا في سطر واحد. كانت غارقة في صمتها الداخلي، تائهة بين ما مضى وما لم يأت بعد، وكأنها تبحث عن علامة...
بعد طلاقي، عدتُ إلى ممارسة العادة التي أحبها ألا وهي الكتابة فوق السرير.
لستُ متأكدة إن كان السرير أكثر رحابة من المكتب أم أنني فقط أبحثُ عن حضنٍ لم يعد موجودًا.
تمددتُ كما كنتُ أفعلُ قبل عامين، قلتُ في نفسي: لا بأس، ليكن أول ما أكتبه ردّا على رسالة طليقي الأخيرة.
نعم، لقد كتبَ لي رسالة ورقية...
رأيته لم يغير مكانه، رغم تغير كل الأشياء حوله، الناس والمركبات والشوارع والكافيهات والمحلات ولوحات الاعلانات الراقصة تحت أضواء النيون الصارخ، دوما يختار ركنا قصيا فى آخر الممشى، معانقا آلة الكمان التى بليت كملابسه، يحملها فوق إحدى كتفيه، مربوطة بشريط من الستان الأسود،
فى لون الحزن المنساب لحنا...
تتسلل شمس الظهيرة من خلف ستائر الصالون، فترسم مربعات من الضوء على الأرض، وتُلونُ وجه الأب الشاحب ببقع صفراء باهتة. جلس في صمت، وأصابعه المتشابكة ترتعش فوق ركبته، وعينيه تنظران نحو الشاشة الصامتة للهاتف المحمول. ستنطلق النتيجة منها في أي لحظة، كطلقة مدفع، إما مبشرةً بالنصرِ، وإما ناقوسًا للفاجعة...
روبة ابنة القهر واليتم ، عاشت وحيدة منذ أن أغمض والداها أعينهما على دنيا لا ترحم . تركاها في بيت الإخوة ، وبدل أن يكونوا لها سندا، صاروا قيدا لها ، يضايقونها ويقهرونها . بلغت ربيعها السادس عشر، ومن غير رغبة منها ، زُفّت إلى رجل يُدعى صفوان؛ رجل جشع بخيل، لا يعرف في قلبه غير القسوة، ولا في عينيه...
ما هذا الكلام الفارغ؟
هكذا صدمتني كلمات أبي!!
صحتُ في حماس:
ــ "يا أبي… هذه مقاطع من أحسن كُتّاب الإسكندرية!"
أزاح أبي الكتب جانبًا وقال بلا انفعال:
ــ "هؤلاء مجرد ناس نرجسيين، كائنات فارغة، لا موهبة، ولا لغة، ولا قيمة، ولا حتى حدثٌ شيقٌ مسلٍّ.
هؤلاء لا يعرفون حتى كيف يحكون حدوتة لطفل. الأدب...
وُلد عتريس الأهوج في قرية نائية لا تعترف بها الخرائط، ولم ترصدها الأقمار الصناعية، وباسمٍ عجزت المعاجم عن نطقه.
قيل إنه وُلد في موسم أغار فيه الجراد على المحاصيل، وكأن قدومه جلب الشؤم فأصابته العنة الجوع والنهم .
هيئته المتخمة وملامحه الممسوخة ظلّت عالقة في ذاكرة أهل القرية، الذين لم يجدوا له...
لم يكن شارع الجواهر بحي الحضرة في الإسكندرية، قرب كوبري الإبراهيمية، بحاجة إلى لوحة إعلانية كي تدل المارين على قهوة الدمرداش التي تتوسطه، يكفي أن يتسلل إلى أنفك عبق الشاي المغلي على مهل فوق كانون الفحم، فينقاد إليها قلبك قبل قدميك، الدمرداش لم تكن مقهى إنما مرسى الأرواح المتعبة، وواحة شعبية...
فجأة، اخترق ضوء مصابيح سيارة زجاج النافذة الوحيدة وداهم الظلام، ليكشف ما بدا كتمثال لشاب مغمض العينين، يجلس على بقايا مقعد بلاستيكي ممسكًا رأسه بكلتا يديه..
وكأن الضوء الإشارة المتفق عليها، صرخ التمثال فجأة: وجدتها، وشق الصمت..
ثم تحرك وقطع السكون، صفق باب المنزل القديم خلفه، انطلق يعدو بكل قوة...
منذ فترة يعيش تحت فكرة ملحة مفادها :كسر روتين حياته اليومي الشبيه بشرنقة محبوس بداخلها ،ورغبة حثيثة في مغادرتها، الغريب في الأمر أن :عملية اعتقاله هو من: سعى إليها ليصبح هو سجان نفسه ؛التي تبلورت فيها أخيراً ما يشبه نوبات؛ تمرد لم تصل بعد للثورة على سجانه .مؤلم أن يمارس المرء طقوسا قسرا عنه،...
انها صداقة غريبة تلك التي تربطني بـ (ماري ) ، فقد مضى العهد الذي كانت حينها تستطيع ان تمنح ما كانت تملك . وفي الحقيقة انها منحته بإفراط فيما مضى يوم كانت مأخوذة بالرغبة في أن يحبها الآخرون . ولم تكن الصداقات التي انقضت في زمن ما مثل حالي وإياها اليوم . إنها لم تكن تماما صداقات ولكنها كادت ان...
لم يكن الوقت مناسبًا، ولا المكان يوحي بشيءٍ مميز.. شارع المتنبي بدا مزدحمًا كعادته، مكتظًا بالكتب والباعة والمرتادين، ومع ذلك كان يختنق بصمته الداخلي، كأن بين دفّات الكتب ما لم يُقَل بعد.
رغم الضجيج، وجدتها هناك، واقفة وحدها قرب محل قرطاسية، تحدّق في الأقلام والدفاتر والملفات المعروضة على...
في لحظةٍ لم يكن فيها شيء واضح، من بين الأنقاضِ والخرابِ المترامي في هذا العالم، ولِدتْ السيدة ( لماذا ).
الغريب أن ولادتها لا تشبه ولادة البشر إذ يأتون صغارًا لا يفقهون شيئًا ومن ثم تنحتهم الأيام، بل ولِدتْ كبيرة بصوتٍ مدوٍ ونظراتٍ تحدقُ في كل شيءٍ وجسد لا يهدأ.
لها ذراعين لا يتوقفان عن النمو...
غريب لا أعلم متى سأصل إلى داري، منذ آويت إلى هذه الحارة أعاني من الوحدة، لا أحد يهتم بي؛ تنفر مني النساء يبدو أنني مصاب بالجرب، هل كتب علي التشرد في بلاد الله؟
أشعر بأنني بلا جذر يشدني إليهم، أو على أقل تقدير لم أجد منهم اهتماما، إنه ازدراء بلا سبب، ربما لخلقتي السوداء المتفحمة، رغم أنهم لا...
بعد سبع سنوات من العيش المشترك في شقتها بعد إلحاح شديد منها، لم يمد يده إليها طلبًا للمال. ظل الفقر الذي جاء منه، والغنى الذي جاءت به، سدًا منيعًا بناه حول كبريائه بحرفية عالية. أخذ يعول نفسه بشق الأنفس، محتفظًا بمساحة من استقلاليته في شقتها الفاخرة، كزهرة برية ترفض أن تنمو في أصيص ذهبي، وتصر...