دخل عبد الله إلى المنزل، وتوجّه مباشرة إلى الغرفة.. جلس وشدّ رأسه بين يديه.. سألته زوجته:
ـ ما بك ياعبد الله؟ عدت باكرا!.. وتبدو واجما ومهموما على غير عادتك؟
طلب منها أن تتركه الآن.. سيحكي لها فيما بعد عن حاله.. وبرر ذلك بأنه يشعر بصداع قوي في الرأس، ويحتاج إلى قسط من الراحة...
خرجت وعادت من...
لم يمض على رحيل تشارلز داروين، صاحب " أصل الأنواع " يوم واحد، حتى تم إخراجه من قبره بعملية هيتشكوكية بارعة، من قبل ثلاثة من القردة، وحملوه سريعاً، إلى حيث ينتظرهم كبيرهم.
مانا، بيني بوخالتر، 2021. أكريليك على قماش، 81 × 65 سم.
كان داروين غارقاً في نوم عميق، وتنبه على الجلبة الحادثة في...
تلك التفاصيل التي صنعتنا.
في طفولتي الأولى، لم يكن الطريق نحو دُكّان الحلوى سوى معراجٍ سرّيٍ يعبر بي إلى مجرّةٍ نائمةٍ خلف سديمٍ متلون من غبارِ الأزمنة، كان يُغلّف دكّةً خشبيةً أنهكها وقوفها في مهبِّ الخيال.
أمّا العملة التي في راحتي الصغيرة فلم تكن سوى شظيّة من نجمٍ تفتّت ليلةَ البارحة حين...
طريق ترعة المحمودية، عربات النقل الكاميون تمر عليه ليل نهار، تلتحم بذاكرة الإسكندرية، على جانب الطريق، وبالتحديد عند سور حديقة النزهة الصامت نبتت عِشّة أم صابر من الطين، لا يعرف أحد متى ظهرت أم صابر، كما لا أحد يعرف متى وُلِد صابر، ذلك الفتى الأسمر النحيف الذي يناديها باسمها، وتُناديه كما يُنادي...
حتى وهو نائم على بطنه كالعادة. المخدة فوق دماغه، والأحلام لم تتبخر بعد. سيرصد طقوسها الصباحية، طقساً.. طقساً. هذه الساق المعطوبة بتمدد الدوالي وتورم الأطراف، الشبشب العتيق الذي مازال قادراً على تحدى السيراميك، هذا السيراميك الذي احتل الأرض كلها وراح يهددها بانزلاق قدميها المتعبتين.
إنها...
في غمرة الصمت المختلق، جلست حنان على شاطئ البحر تتطلع إلى الأفق، حيث لحظة الغروب تزيل بقايا أضواء النهار. بدا البحر لها كمرآة مائلة، تنعكس فيها ظلال لم تُفكك بعد.
كانت تتأمل الغيم وهو يتبدد على أطراف السماء، وكأنّه ينسحب بهدوء تاركًا مساحةً للشعور كي يتكلم. في داخلها، كان الشوق ينسج وردة من...
لطالما كنت، ولم أزل مفتخراً بأبي شهريار. كيف لا أفتخر به، وهو ملك زمانه، وملك الرجال الذين يعرفون عنه أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم، في رجاحة عقله، وسياسته مع النساء، ودمه يجري في عروقي؟ وإذا كنت أكنُّ الود والاحترام والتقدير لأمي شهرزاد، وأبرّها، كما أقدَّر خالتي دنيازاد، وكذلك، فإنني لا أخفي...
هناك أشخاص، حين يعبرون الحياة، لا يتركون خلفهم ضجيجاً، بل آثاراً صامتة تشبه بصمات الأصابع على الزجاج، لا تُرى إلا في الضوء، هؤلاء هم البناؤون في الخفاء، من يضعون الطوب فوق بعضه لبناء جدار الحياة، دون أن يطلبوا شكراً أو ينتظروا تصفيقاً، وأنتِ أحدهم..
كنتِ أنتِ الأرض الثابتة حين اهتز تحت أقدامنا...
مازال الحُلم يعاودني وكأنه يريد أن يقفز من عالمه الخيالي في راسي إلى عالم الحقيقة والواقع.
أحلم بدارٍ واسعةٍ لها حوش كبير؛ ليلعب فيه أطفالي على راحتهم بلا قيود أو خوف عليهم من الغرق في الروزافة الكبيرة التي يغرق فيها الكبير والصغير.
أحلم بجزء منفصل للفرن والمحاصيل، أحلم بحظيرة كبيرة لأربي فيها...
بعد مضي أشهر قليلة على زواجنا، بدأتْ النزاعات بيني وبين زوجتي.
لقد تشاجرنا حول قنوات التّلفاز ورنة هاتفي المزعجة، ومجفف شعرها العاطل منذ أسابيع، وجارتنا الأرملة الجميلة، التي ما تزال في مقتبل العمر!
تشاجرنا حول أخواتها الفضوليات، والعقربات أخواتي.
سأكتبُ عن المؤامرات التي حاكتها أمي لإفشال هذا...
أنا عمّ وهبة.
عامل نزح آبار.
اسمي لا يُدوَّن في الأوراق الرسمية، ولا يُذكر في نشرات الأخبار، لكنك إن سألت عني في شارع العزب، في حيّ المندرة، أشاروا إلى أسفل، وقالوا:
"هناك، تحت الأرض، يعمل وهبة."
في كل بيت بئرٌ للصرف الصحي، حُفرت قديمًا قبل دخول المجاري العمومية.
ومع مرور الزمن، تختنق الآبار،...
في مدينةٍ ساحلية تهدهدها الأمواج، وتغسل شوارعها رائحة الميناء والملح، كانت “جورجيت” تمشي، لا تزال ممشوقة القوام، بيضاء البشرة، شعرها الذهبي المائل للبني ينسكب كشلال على كتفيها العريضين. ترتدي تنورة سماوية وبلوزة من نفس اللون، كأنها على موعد مع حبيبٍ غائب، أو أن الجمال والأناقة قررا ألا يفارقا...
عصفور ينقر نافذتي عند كل يوم جديد ، يتحرك من اليمين إلى اليسار ، يحمله رفُّ النافذة الصلب ، صورته تتحرك معه نقراً وزقزقة وتوقفاً أمام ريشه الزاهي ممزوجًا بأسى الانتظار ، ينقر شبيهًا له ،ثم يطير هرباً عندما يشعر بحركتي الخفيفة وراء الستارة والزجاج العاكس.
كان عليّ تحذيره من عاقبة الحب من...
كان لانتشار كتابها وقعٌ يشبه تصدُّعَ صمتٍ قديم. كأنَّ جليدًا انساح من أعالي الهيمالايا، فانشقَّت الصخور، وتردَّد رجعُها في كل بيت. لم يَعد الخبر مقتصرًا على المجلات والصحف وبرامج "التوك شو"، بل صار جزءًا من الأحاديث اليومية، كما لو أنَّ الناس وجدوا في كلماتها مرآةً تميل وتُشوّه وتُرِي...
حين حطّت قدماي على أرض القاهرة ولأنّي من زمرة المتأدّبين أي هواة وغواة الأدب،ففي رأسي عناوين،مقهى الفيشاوي،مقهى ريش،جروبي،فرُحت أضرب الخطو بحثاً عن زبونٍ قديم،ولم أعثر على ذلك الزّبون،كُلّهم جددُ أو متجددون،هكذا يتغيٍر الزمان ويهجر قدماء الزبائن المكان،وتتبخّر الآثار بفعل معطّرات الجو،وتشعرّ...