سرد

أنِّي حين ضاق بي العالم، كنت أنت الفسحة الوحيدة التي لا تخذل، كنت المرفأ حين تعبت أمواجي من العراك، والضوء حين استوطن العتم عيوني، لم أجدك صدفة، بل وجدتك دعوةً قديمة رفعتها روحي ذات انكسار، واستجابها القدر متأخراً ليعلّمني أن النور لا يأتي قبل اكتمال الليل. كنت ملجئي، لا بمعنى المكان، بل بمعنى...
لفتَ أنظارَهم إلى وجهه، صوته، لغته، قوامه، وحركاته. اهتموا بأمره. كان في صوته، وكل ما يصدر عنه من حركات يشدهم إليه. بطريقته في الكلام معهم، استأنسوا به، في الطريقة التي أنستْهم السؤال عمّن يكون، ومن أين جاء، وماذا يريد تماماً. كلمة " تاجر " ، ومن خلال حسن هندامه، ولباقته في الحديث، وهدوئه، وصفاء...
عند حافة الغابة السوداء... في قريةٍ منسية، وُلد "يائيل"، طفلٌ بعينين تلمعان بأسئلةٍ لا تنتهي! لا يعرف من الدنيا سوى بيتٍ عتيقٍ تسكنه أمّه، "سيرما"، وهي امرأةٌ لا تُرى في الضوء إلا ظلًا. "امرأةٌ لا تُغذّي الحكايات إلا بالكذبِ والخداع؛ صنعت لنفسها مجدًا من الزيفِ والأوهام، ونسبت لنفسها تاريخًا لا...
ـ هل تحتسينَ الخمرَ؟ باغتها بالسؤالِ، وتركها تتيهُ بين الحروفِ تبحثُ عن نافذةٍ للهربِ. منحَ خيالهُ شارةَ الأمان ليتخيلها بفستانٍ أحمر بلونِ النبيذِ الذي يملأ الكأس.. ضحكاتها الغجرية، وهي ترتمي في أحضان زوجها، أدخلتهُ غابات الصنوبر السحرية في ليلةٍ مقمرة. أرادتْ معرفة السّر وراء سؤاله، صمتتْ وهي...
يتصاعد التصفيق عند دخولك القاعة المكتظة بالكراسي والبشر ، ببطء تتحرك قدماك وسط الأكف المصفقة ابتسامة هي ربع ابتسامة هذه التي تعلو وجهك الشفاف لم تنزلي ذراعك الأيمن سريعاًُ وأنت تلوحين للجميع البشري . كالمسمار تقفين أمام الصف الأول تنظرين إلي هؤلاء الذين تجمعوا كي يصفقوا يصفقون ، طويلاً حتي تحني...
فجأة إنخرطت الفتاة الصغيرة في البكاء. كان أهلها قد احتفلوا بعيد ميلادها العاشر قبل أيّام قليلة. وكان لها شعر فاحم قصير، وعينان سوداوان تلمعان بفرح دائم ،وخدّان ورديّان يكاد الدّم ينفجر منهما ،وشامة على الرقبة كأنها حبّة زيتون في عزّ نضجها، ولها بهجة الطيور في أوّل الربيع. وهي دائمة الهدوء...
في مدينة ألمانية صغيرة، كان أحمد يجلس في صفوف معهد لتعليم اللغة، محاولاً التأقلم مع عالمٍ جديدٍ ومختلف تماماً عن حياته السابقة. أمامه كانت تقف إلسا، معلمة اللغة، امرأة في الأربعينيات من عمرها، ملامحها مفعمةٌ بالرصانة والقوة، إلّا أنّ عينيها تحملان نظرة حذر، خاصةً عندما تتحدّث معه. وجهها الناعم،...
لا تقتربوا كثيرا من نصوصي في الليل. إنها مسكونة بالأشباح الشريرة. بريش حمامة مكسورة الخاطر. بإيقاع الموتى في قاع الجحيم. ببنادق تنبح طوال الليل. تنادي جنودا ماتوا مشنوقين في حجرة النسيان المظلمة. بزئير شعراء ماتوا مختنقين في خرم الإبرة. لا تقتربوا كثيرا من نصوصي في العتمة. أنا ملعون ملعون...
كان الظّلام ما يزال يَحتض المدينة ويَنشر عَتمته، وكانت الأجواء الباردة تحط الرِّحال، لأن الفصل كان شتاء، ودرجات الحرارة تتهاوى إلى درجات قياسية، بشكل يجعل ظُروف الحياة قاسية لمن لا مأوى لهم من المشردين والبؤساء. اِستيقظ مُولود مبكرا كعادته، ألقى نظرة على ساعته، تبين له أنها قد تجاوزت الرابعة...
محمد إبراهيم لافي شاعر الحزن الصامد الأسيان، الحزن الذي يكفي لكتابة الشجن، والحدب على الكائنات الجريحة. من أبرز شعراء السبعينات في تجربة الشعر الحديث في الأردن وفلسطين، بدأ بديوانه الأول:(مواويل على دروب الغربة) عام 1973 وأتبعه بعمله الثاني: (الانحدار من كهف الرقيم) عام 1975. وقد مثل هذان...
الفصل الرابع ومن الحبّ ما اكتمل "١" أيقظتني ريتا باكراً لنهيّئ نفسَينا للسفر إلى العاصمة ومنها إلى مدينة حبيبتي المحرّرة، ورغم أني كنتُ بين الصحو والغفوة استطعتُ أن أميّز صوتها الواهن المتعب الذي ناست ألوانه التي طالما تغزّلتُ بها، فهو الأبيض حين تكون طفلتي، والزهريّ حين تلهو معي ما بين مزح...
نحن أولئك الغرباء عن أنفسهم، نحمل قلوباً نُسيت في العتمة، كأنها مصابيح انطفأت واحدة تلو الأخرى ولم يسأل عنها أحد، نسير في الدروب بلا ظل، بلا صدى، كأن الأرض ترفض أن تحفظ وقع خطانا. نُجيد الصمت كما تُجيد السماء كتمان عواصفها، نُجيد التماسك في قلب الانهيار، وكأننا صُمّمنا من الزجاج لا ليُرى ما...
– "أنا أخافه..." – "تخافين من ابنك، يا نجلاء؟" قالت بصوت متحشرج: "كلّما كبر، أشعر أنه... سيكسرني، يخونني، يتركني... مثل كلّ الرجال الذين عرفتهم." منذ أن بلغ سليم الخامسة، لم تعرف نجلاء طمأنينة النوم. كانت تصحو على نظرته الساكنة، في عينيه ظلّ أبيه، تحدّقان فيها كأنهما تفضحان سرًّا دفينًا. ذات...
كانت تلك الليلة خاليةً من عبء العمل، ومن التزامات الحياة، وعلى الرغم من أنني كنتُ أُحِسُّ ببعض الإرهاق، وكانت نفسي تتوقُ للراحة، فقد عزمتُ على مخالفتها. انطلقتُ صوب المقهى، يَسوقُني بعض الفضول، وربما أردتُ كسر العزلة التي تُطَوِّقُني، وتجعلني أجدفُ وحيدًا وسطَ موجٍ عالٍ ومضطرب. وصلتُ متأخرًا...
وقف أمام بسطتها، رأت الحذاء ثم الملابس الأنيقة ، رفعت رأسها دون وجل، وإذ بقامة رجل يعلن بحزم : -" البيع هنا ممنوع!" " ..."- حين لن تردّ، يواصل مُبعدًا نظراته المباشرة عنها: -" الأمر ليس فوضى، هل كلّ مَن وجدَتْ رصيفًا جميلًا وتساهُلًا من التفتيش تبسط وتبيع وتشوّه المشهد البصري؟!" أراد صغيرُها...
أعلى