سرد

كان الجو خريفيًا، ملبّدًا بغيوم داكنة. وقفتُ على الرصيف أراقب المارة بذهولٍ شارد، وكأنني أبحث عن وجهٍ منسيّ في الوجوه. لم أكن أنتظر شيئًا بعينه، لكن الحافلة توقفت فجأة أمامي، كما لو كانت تعرفني. صعدتُها بخفةٍ لم أعهدها في نفسي. كانت المقاعد نصف ممتلئة، وجوّ الحافلة مشبعًا برائحةٍ دافئة، تشبه...
الجو عاصف، ماطر، والبرق يمزّق السماء كخنجر مجنون. في الداخل، في الغرفة التي لا نوافذ لها، ولا أبواب، ولا اتجاهات، ولا زمن، وقف الأربعة صفًا أمام "هو". لم يكن يعرف من أين جاؤوا، لكنه يعرفهم. يعرفهم كأنه عاش معهم منذ الخلق، أو كأنهم خرجوا من جوفه يوم ارتكب تلك الخطيئة. عيناه متّسعتان، قلبه يدقّ...
كان واحدا من الذين هللوا بفرح ذلك اليوم، وصعد شاحنة صغيرة مع مجموعة من الشباب والأطفال، يقرعون الطبول، ويغنون، ثم يرقصون الدبكة بالشارع، ومعهم سائق الشاحنة. حين عاد إلى البيت سأل أمه عن الأسير، فأجابته: _ بخير يا ضناي، أكل كل شيء، وأقفلت عليه الباب، لكنه لم ينم أبدا منذ أمس.. قاطعها ابنها ضاحكا...
كان هو في المنتصف تمامًا، يجلس القرفصاء، بين ظلال أربعة، تتقاطع في عينيه. تكلم الأول، بنبرة هادئة ما الذي جاء بك إلى هنا؟ صمت، كأن السؤال أغلق أبواب الذاكرة. قال الثاني، بنبرة تهكمية: نسي. هو دومًا ينسى. قال الثالث، وهو يضحك بصوت خافت كصفير ثعبان: هو لا ينسى... هو يهرب. رد الأول: دعوه يتكلم...
مقام النار البيضاء يظل اسم (حدهوم) لقبا مستعصيا على الفهم والشرح. اختلج اللفظ ـ الاسم مختلف الحوارات والخيارات وأشكال التفكير الداخلية عند الساكنة والمعارف. كما ارتبط بحي سيدي امحمد بن قاسم كَاسْمٍ فريد وأوحد لا تجد له نظيرا في أي مكان إلا ما كان من تسمية (أمّي حدهوم) لسيدة بحي (ابن يازغة)...
[1] ظهر الملك القرد راكبا على فرسه,وفرسه كان كلب أسود كبير,القرد من جزيرة القردة, والكلب من مزرعة الكلاب. وكان هو أولهم. باقي الشخصيات الخيالية وقفت أعلى التلة تنظر للمدينة بالأسفل. شخصيات خيالية اقتحمت الحياة الواقعية. في السليمانية حدث حدث غير عادي,ولكن حتى الغريب يدخل في إطار الواقع,وما حصل...
كان في مركز صيانة الحاسوب وحده عندما اتصلت به فتاة، قالت إن البيانات والملفات اختفت من حاسوبها، وتسأل إن كان بإمكان المركز مساعدتها على استرجاع ما فقدته. وهي على استعداد لدفع أي مبلغ مالي في سبيل ذلك. أعلمها بأن مركزهم لا يختص بهذه المسائل، ولكنه على دراية واسعة بمحاربة البرامج الضارة، وإصلاح ما...
لاحظ ان أنامل يدها، وهى تقدم فنجان قهوته المرة، طويلة مع دقتها ورقتها، صبوحة الوجه ضاحكة، يراها المرء يحسب أن عذابات الدنيا انتهت، والروح عادت الى الابدان، وجهها يضيء كالشمع يحسبه فى مثل نعومته، الكافية رغم بساطته، يلفك فى سحره، ولا ترغب فى مغادرته، الساقية يجن من يراها، ترفل بجسد الحوريات فى...
كان يحتضر. تجمّعوا حوله في صمتٍ مضمّخ بالخوف. الزوجة، الأولاد، الأحفاد... وجوه مألوفة، لكن عينيه لم تلتقط أحدًا، كأنما كان ينتظر شيئًا آخر. في اليوم الثالث للمرض، ظهرت. مشَتْ على أطراف الغيب، لا يُسمع خطوها، ولا تُرى إلا لمن اقترب أجله. القطة الرمادية. خرجت من الجرن كمن يعود من منفىٍ بعيد خلف...
تعودتُ كُل صباح على فتحِ نافذة غرفتي، ليس فقط لأستنشق هواءً نقيًا يشعرني أن هناك أماكن في الأرض ما تزال صالحة للعيش، بل لأنَّ النافذة تطلُ على سلسلة جبال الألزاس العظيمة حيث أسكن. تركتُ النافذة مفتوحة وذهبتُ أستعد للرحلة الجبلية التي سأقوم بها ضحى هذا النهار حيث قلعة بورغ (مادن بورغ ) بناءً على...
فتحي مهذب. تونس. دائرة الأروبوروس . كان الضباب ملتفّا حول البيت الفخم الوسيع منسابا بين أعمدة الشرفات متسللا عبر نوافذ الزجاج المعشّق. النار ترتجف داخل الموقد الحجري، تهمس في الظلال، بينما وقفت "ر" وحدها في الغرفة الشرقية، الغرفة التي لا يدخلها أحد. أمامها مرآة...
حين فتح عينيه، وجد الأرض باردة تحت جسده، في مكان غريب... في وسط دائرة من المرايا، كان لا يدري كيف جاء، ولا متى. لا يتذكر بابًا دخل منه، ولا يدًا قادته إلى هناك. المرايا تحيط به من كل الجهات. ... انبثق الضوء فجأة، يغمره بهالة دائرية. كأن المكان ينبض من حوله. جلس القرفصاء. تحطّمت أول مرآة. خرج...
روادنتي عن نفسي؛ تدفع بي إلى عالم متلبس بالأوهام، مفردة لم أكتبها بعد؛ أحاول دائما أن أبتعد عن فكرتها؛ يطاردني الحلم كلما أمسكت بالقلم؛ أخاف أن أمر بمفرداته التي يخايل بها عقلي؛ ثمة خطر ما يقف لي عند حنية الطريق، كلما ألح علي التمست سبيلا أخرى؛ تدور عيناي في الفراغ المحيط بي، أتحسس رقبتي؛ فقد...
الفصل الثالث توأم الروح "١" جاءتْ ريتا إلى مرسمي ذات نيسان دون موعد مسبق.. هلّتْ كنسمة ربيعية وكرفيف الفراشات في محفل النور وكانبثاق الينبوع رسولاً للنماء. انتظرتْ ريثما تفرّغتُ لها وانتهيتُ من مروري على كلّ طلّاب دورة الرسم المسائية، لإعطائهم ملاحظاتي المبدئية والمباشرة برسم ما اخترتُه لهم...
في بيتٍ مغلق، يسكن رجلٌ لا يعرفه أحد. حين يُسأل عن اسمه، يبتسم كأنما نسي، ثم يقول: اسألوا الورق. كتب عن الليل الأبيض، حيث لا ينام أحد، عن دكانٍ يتكئ على حكمة ميت، عن شيخٍ في الجبل يُداوي الحروف لا الأجساد، وكان يُقال: من يُشفى هناك، لا يعود كما كان، فالحروف تترك ندبة على القلب. عن قلبٍ ورث...
أعلى