سرد

-2- اقتحم الجنود القسم (ج) من سجن ريمون، وصاح أحدهم بأن من يسمع رقمه عليه بلف برشه وأغراضه والتهيؤ للخروج من القسم، فاشرأبت الأعناق وأرهفت الآذان لسماع الأرقام المذاعة، الكل يتمنى أن يسمع إذاعة رقمه الآن، فهذا الوضع الحالي من العروض المسرحية القليلة التي يشعر فيها الأسرى بالمتعة والإثارة، لأنها...
خيوط الضوء تطل باحتشام جاهدة في اختراق العتمة، معلنة عن صباح كئيب.. غيوم ثقيلة تنبئ بفصل شتاء قاس.. تتحول مراكش إلى ثلاجة ضخمة ، تتلاقى فيها التيارات الجافة والباردة، التي تتسلل من جبال الأطلس الكبير، وتجثم على انفاس المدينة الحمراء.. شعرت بنوع من الضيق وأنا استجمع اطرافي، وأزيح عنها ما كبلها من...
كان يتوارى خلف قناع خفي، يعبر محيطات الكون دون أن يلامس طعم الحياة. كاد اليأس أن يطبق على عنقه، ليختنق الليل في أنفاسه الأخيرة، ككلب يلهث تحت لهيب الصيف، يبحث عبثًا عن نسمة نقية. كان يعيش في صراع دائم بين واقعه الملموس ومكنونه النفسي العميق، فالكشف عن ذلك المكنون يعني التخلي عن القناع الذي...
من باب الحجرة الموارب رأيتهما معًا، على "كنبة" مريحة أمام التلفاز، كانا يتهامسان.. يضحكان. تحركت خطوات بصعوبة متحدية تخشب جسدي وثقل أفكاري والنيران المحمومة التي ألهبت روحي، حتى اقتربت من باب الحجرة الموارب. فصلتني عن جلستهما بضعة أمتار، وعشرات الأفكار الشيطانية.. فكرت في أن أقتله وأحطمها...
كان هناك.... أبيض كأنه مقطوع من جلد القمر، عينه في عينيّ. لم يصرخ، لم يرفرف، فقط كان.. وكنتُ أنا المرتجف بين حلم ويقظة. لم أفهم، لم أهرب!! شيء داخلي انكمش، وكأنه لم يكن طائرًا بل علامة. في عتمة الليل، حيث يهمس السكون بأسراره، كان وجهه كقلبٍ ناصع البياض، محاطٍ بحلقة سوداء كعين الهاوية، عظيم...
جاورتُه لبعض الوقت، حيث تعرفت على بعض من عالمه عن قرْب. لم يسمح لي أن أكون ملاصقاً له. نبّهني إلى ضرورة الحفاظ على مسافة الأمان بيننا، وهو يردد على مسمعي: -أنتم جنس لستم محل ثقة، لا أكثر مما تقولونه، وتمارسون خلافه. التزمتُ بالحدود التي رسمها فيما بيننا، إنما بعد مضيّ زمن، بدا أنه يختبرني. لم...
انتقت شبكة عيار ٢١ ثقيلة الوزن من محل الذهب، همست فى أذنه : احبك حتى كان يوما، انتظرته وليمة من الأوجاع فوق رصيف الحلم، حين صدمته سيارة اثناء عبوره الطريق، مزقت ساقه اليمنى، التى لم يفلح معها العلاج الا بالبتر، واستبدالها بساق صناعية، بعدها تبدلت حياته، اصبح يميل للصمت والوحدة، طالت اجازته...
قبل أن يجتاز سالم امتحان شهادة نهاية الدروس الإعدادية في بداية السبعينات من القرن الماضي، أنجز بطاقة التعريف الرمادية. وهو يدخل الملحقة الإدارية، أحسّ بشيء من الخوف.. دقات قلبه ازدادت سرعة.. لا داعي للكذب، هذه الفضاءات كانت مخيفة للرجال، فما بالك بالأطفال.. لاحظ بأن الناس يدخلون متوجسين وحذرين...
كان في تلك الفترة بعد تخرجه في الجامعة يبحث عن عمل، عندما اتصل به صديقه، يخبره بأن سعادة السيد علي المنصوري، أحد المساهمين الكبار في جريدة "أنوار الحقيقة" التي يعمل فيها يبحث عمن يراجع كتابه ويدققه قبل أن يقدمه للنشر، وقال إنه لم يجد خيرًا منه لهذا العمل، فرشحه له. وأضاف بأن الرجل كريم، ويقدر...
بين البطل والكاتبة استيقظتِ الكاتبة مفزوعة ليلة أمس، تلهث كمطارد في وحشة غابة، بعد أن استُنفِذتْ طاقتها في كتابة الفصلين الأول والثاني من روايتها "حصرم الألم". تملّكها رعب قاتل، حسبتْ معه خشخشة أوراق الشجر خارجاً قعقعة أسلحة، وأن باب بيتها سيخلع بين لحظة وأخرى من قبل الحُماة أو أولي الأمر، ولن...
كانت الليالي العتيقة مكتوبةً على كلِّ ورقةٍ من أوراقها...؛ ليالي الألم الصامتِ والفرحِ المنتظر لمعنى يكبر داخلَ أمعاء الكون. شجرة صمدت بوجه ِ حفيف ِ الاكتئاب الذي كنتُ أنحته على جذعِها وبين أليافِها...! أذكرُ الآن ليلةً كأنَّها ليلةُ قدرٍ لعاشقٍ لا يملّ من التذاذِه برؤيةِ حبيبته، لذته بها كألفِ...
أين يذهبُ المرء إن تراكمت الأحزان على قلبه؟! بلغ السيل الزُبى إنتَظْرتْ جائزتي حتى تفتت عافيتي، بَكيّت بِقُوّةٍ أذهَلَت الحنين، وإنطفأتُ كسيجارة بِيَدِ مُدْمِن . هاتفتني صديقتي في صباح أحد الأيام؛ كي تبشرني بفوز قصتي بالمركز الأول، في مسابقة على مستوى الوطن العربي. سألتها ونفسي تتوجس خيفة عن...
"في البداية والنهاية يستلهم الإنسان حيله من الحيوانات لكنه سيبقى طوال حياته مدينا للقطط التي شاركته الحياة نفسها". ( هـ. ن) مرجح أن تؤول مدن الاتحاد الهندي وضواحيها إلى منارات توجه الإنسان الزائر، أو المقيم، بالوفادة صوب دواعي الاكتشاف المختلف عما يؤمن به ويعتقده...
كان علي أن أقطع مسافة كيلومترات عدة، في طريق يسهل سلوكه، لأصل إلى جهة لإنجاز عمل تهيأتُ له منذ مدة. على جانبيّ الطريق، وعلى مد النظر، تنبسط الأرض. ثمة أعشاب، ونباتات متباينة في أشكالها وألوانها وأطوالها. ثمة بقَع جرداء، تكشف عن تربة عارية. أصوات خفيفة تنبعث من مسافات يصعب تقديرها. في طريق كهذا،...
في البدء، كنتُ أفتحُ عينيّ على ضوءٍ يشبه وعد الفجر، وكانت الحياة تهمس لي كما تفعل الأم حين توقظ طفلها لحلم جديد، قلبي كان عصفورًا يختبئ بين أزهار الأمل، يغرد في حضن الريح، وكانت روحي تتقافز بين الأمنيات كفراشة لا تعرف غير اللهو في حدائق الضوء. لكن الزمن... الزمن لصٌ محترف، سرقني من بين يديّ دون...
أعلى