تجوب حارتنا حكايات مالها حصر، آلاف جاءوا ثم مضوا دون أن يتركوا بصمة، في بلاد تنام من المغرب وتصحو على سياط الذل، وحدها تفرد مساحة من ذاكرتها، أسرار خفية احتفظت بها؛ يوم ضرب وباء الكوليرا الناس؛ مات كثيرون، كان الطوفان الأصفر مثل رياح الخماسين غطى سماء المحروسة، تدوي صافرات الإنذار في فزع، يتملك...
يقف كعادته وسط الجموع في-مهد حضارة الأندلس_ ينثر لهم ما انطوت عليه جوانحه من بقايا حضارته المنتثرة على صفحات التاريخ، لعلَّه يتمكن من انتشال بعض الغارقين الذين استهوتهم بهرجة المرئيات، فوقعوا في المستنقعات من حيث لا يشعرون.
يمشي في المدينة ويكلم الناس بعربية جزلة كأنها موروثة عن سيبويه، وذلك...
تدخل منزلك متعباً كأنّك قد ضاجعت كلّ الهواء ليكرهك بهذه الشدّة فيمنعك عن إلتقاط أنفاسك بسيطرة و راحة، ضيق في صدرك و خطوات متراصفة مكتظّة ترتجف كلّما إقتربت من غرفتك تجعلك تحاول صنع مأذنة جديدة في حوض إستحمامك محاولاً إعادة السيطرة لجسدك تحت سلطة الدعاء و الدّين، تنزع كلّ شيء عن جسدك وأنت تتعرّق...
جارتي التي تركت الحي قبل بضع ساعات فقط، كانت توزع علينا نحن سكان البيت جميعا "عش البلبل". كان ذلك في الكثير من المناسبات، وأحيانا من دون مناسبة. وأعترف أن هذا ما حرك جرس الفضول بداخلي، وجعلني أحاول التقرب من هذه الجارة عل جرسي يتوقف عن الرنين صباح مساء ككنيسة مهجورة سقطت في يد أولاد صغار. كنت...
لم يتعبه الباص ابداً عندما وقف في ساحة الطيران ليعلن عن نهاية الرحلة التي استغرقت ست ساعات من نهار تموزي قابلٍ لتصبب العرق من الجبينِ إلى الأبط الأملس ، نزلَ إلى الشارع الموازي لباب الشرقي كأنّه للتو خرج من غابةِ القصبِ يطلب حرية ذاته المراهقة في اكتشاف حضارة المدنية من دون دراسة الثانوية وحليب...
هل كان بيننا موعداً أخلفناه سوياً، موعد لم نعلم عنه شيئاً، أخفاه عنا القدر لسبب ما، سنوات فراق طويلة لم نع مدى قسوته حينها لأن أحدنا لم يعلم بوجود الآخر؟!
هل كان بيننا حلم حلمناه في ليلة أشرعت فيها أبواب السماء تستقبل الأماني وتحنو على الأرواح التي أضناها الضياع..
مازلت أذكر كيف كنت أحتضن ذاتي...
حينما انتهى من ورد البهائم ، تأبّط اْلجيْقنّي وجلسَ تحت شجرة الهجليج اليتيمة ، ورياح السموم الشمالية تُزمْجر وتلفح وجهه ، بينما الشمس منتصبة في وسط السماء ، السراب يظهر ويَختفي على حبيبات الرمال الصفراء كأنه في لعبة غميضة مع الصحراء ، يتمدد السراب بشكل لا نهائي ، يتموّج أُفقياً مع أشعة الشمس...
المظلة والمعطف الطويل والثلج وشعرها الساكن على الاكتاف.. هم فقط السائرون في الشارع الطويل الخالي من الناس.. تسير ولا تأبه بالثلج الذي يضرب مظلتها بنعومة...تسير لعلها تجد جوابا لاجوبة تغلي في جوفها المحترق...وتتلقب في رأسها الاستفهات الكبيرة...ترى هل وصلت معه الى نهاية الطريق.. ؟؟هل إنتهى كل...
في اليوم التالي لوفاتي، حضر كل نساء العائلة لزيارتي كما تقضي التقاليد. كان ثمة لغط وضجيجٌ وعويلٌ بدد هدوء القبر، فتململ جيراني، وداخلني بعض الونس، ميزت صوت زوجتي ملتاعاً ممطوطاً
-يا سااااابعي...يا جاااااملي...سبتنا لمين يا خويا؟! هنروح فين، وهنعمل ايه بعدك يا غالي
أطرقت موجوعاً، واستبد بي الحزن،...
لن أستنجدَ بأحد، سيقولون إنّني خرَّفتُ وسيخبرون أولادي، وهؤلاء لن يرحموني من عتابهم القاسي. ابني الكبير، بحجّة عطفه عليّ، سيجد مبرراً لسوْقي معه إلى المدينة، وأنا أمقتُ السكنَ هناك بعيداً عن أرضي وبيتي، بيتي! كيف لي أن أستدِلَّ عليه في هذا الظّلام الدّامس... أستحقُّ ما أنا فيه، ما لي ومواعيد...
استند الرجل الخمسيني بيده على حافة الصندوق المعدني، مال على الصندوق محدقا في محتوياته، لم تفزع القطط الثلاث الباحثة عن رزقها. بدت وكأنها تعرفه، تألف ملامحه المكدودة وشعره الأبيض الأشعث.
أفسحت القطط لكفه مكانا دون أن تخمشه، فشاركهن التنقيب، يقبض على كيس بلاستيكي لم تصل له القطط أو عافته، يرفع...
لم يظن يوما أنه سيكون حاكيا أو عابر سبيل مثل تلكم الفئة التي اتخذت جوانب وحواشي ظهره ليكونوا كُتاب عرائض او مدوني بيانات، مذ كان وجهه وسطح ظهره قد غطي بالتراب والحفر حتى ألبسوه حلة جديدة، كسوا عريه بعد أن داست عليه عشرات الآلاف من احذية ونعل مختلفة منها مستهلك كصاحبها ومنها ملمع كضاربي الابواق...
في مَكَانٍ ما حيث وضَعت الطَّبيعةُ مولودهَا البِكر ، يَحبو نَحو النُّور ، بقعة ريّانة ما بينَ الماءِ ورِمالِ الصَّحراء الذّهبية، يتجلى الجمالُ كيومِ خَلَقَ الله الأرضَ وأرسى فِجَاجَها، لا يشوب الأجواء كدر من قُبحِ الحياة ، شَاء القديرُ أن تنمو تَحتَ لحافِ السّماء الفضيّ ، قصة حبٍّ خَالدة خُلود...
الليلة ليلة رأس السنة والمطر خارج نافذتهما التي وقفا من خلفها يرقبون إلتحام السماء والأرض بالماء، كأنه الودق، العاشقان اللذان اختارا مسارهما معا، ذلك المسار الذي يرفضه المجتمع دينيا وأخلاقيا، بينما تحتفي بذلك الاقتران كافة الأوساط والمحافل في العالم الأول، بل ومماثلوهما يتصدرون سدة دوائر صنع...