فهمت كل شيء متأخرة جدا، لكن لم يكن القدر ليتركني قبل أن ينهي معي دروسه العظيمة..
ها أنا ذي ممددة فوق السرير، وقد نخر المرض الخبيث كل جزء من أحشائي.. واستاصلوا أجزاء من امعائي ومعدتي،
لطالما عانيت من تخزين مشاعر الغضب والحزن في تلك المناطق داخل بالذات ، كنت أظن أن الحزن شيء منفصل عن الجسد...
ظبية ثائرة
كانت تمشي بالشارع سريعة الخطوات كعادتها بعدما خرجت من أحد المحلات التجارية الذي ابتاعت منه بعض الحلوى لصغيرتها ولها كذلك، لكنها هذه الأيام تشعر أن أشياء كثيرة فيها قد تغيرت؛ لقد أصبحت تحس بآلام داخلية لا تعرف مصدرها، صارت تبتعد عنها ابتسامتها شيئا فشيئا، وتحولت من نحلة نشيطة إلى تنين...
مزدحمة الشوارع بالخطوات المجنونة.. مبعثرة هنا وهناك.. الفضاء يضيق بالنظرات الملونة التي تتقاذفها العيون فوق الأرصفة وبين المحلات.. محيطة به كأذرع الأخطبوط، باحثاً عن مكان لا يراه فيه احد ليخرجها إلى حيز الوجود.. العيون ـ كما يظن ـ تترصده.. والآذان تتجسس عليه.. ما تحدث اثنان أو أشار أحدهم الاّ شك...
عندما عَادَ من مِيلانو كانت ذَاكرتُه لا تزال تَختزن تلك المشاهد التي عَبَرتْ إلى وجدانه مباشرة وأرضتْ ذائقته الفَنِّية ونزعتْ بها نحو رِحاب الجمال وسحر الإبداع الانساني في أروع تجلياته، وحَقَّقتْ له درجة قُصوى من الاسْتِمتاع بِجَماليات يَعزُّ وُجُودَ مَثيلٍ لها في هذا الزَّمن الذي تلوّثَ...
كلما سألت امى كيف جئت إلى الدنيا يا امى ؟ ، كانت تقول لى لقيناك على باب جامع ثم تضحك ، ومرة اخرى اشتريناك من سوق الجمعة اللى جنبنا ، ومرة ثالثة تقول جبناك من الملجاء ، ظللت الح عليها كل مرة ان تقص لى التفاصيل وأيهم هى الحقيقة ، كانت تضحك قائلة . ياواد احنا بنهزر .. لم أُكمل وقتها الستة سنوات...
سفر: حيلة السلطان
قطار الدرجة الثانية العادية، بل في الحقيقة ممّا دون دونها حتى الدرجة العشرين إن وُجدت، كان ينطلق فيه الباعة الجائلون من كل لون وطائفة، كما أنّ القطار كان ممتلئًا عن آخره أكوامًا من اللحم ملتصقة، أكثر من ذلك كان هناك الراكبون في أعلى حيث أرفف الحقائب.. بعضهم مجند عائد من بعيد...
بجوار ماسح الأحذية, وبائع الليمون كان يجلس, بكرتونته, يبيع اللب, والفول السوداني,
يخرج كل يوم من بيته القاطن "بساحل طهطا" مع أول ضوء,
قبل أن تطلع الشمس تراه يتعكز في الشارع الطويل, يدب علي الأرض بخطوات ثقيلة ضعيفة, ناهز السبعين خريفاً, أو يزيد عليها قليلاً, وما تقوس ظهره وما انحنى, ثقُل سمعُه...
(الليلة ممطرة،
والبرد احدّ من السكين
وصوت الريح ، وحشرجة المطر المتدفق ...
والشارع اقفر ، إلا من اصداء خطاها ،
لاشيء سوى هذا ،
وسوى اصداء خطاها وسواها ،
وحقيبتها المبتلة ، والشعر المتثائب في ملل ،
فوق الكتفين .. وانملها ،
وهي تدق الباب ليفتح ..
من سيكون الليلة ضيفي ..؟
.....الخ)(2)
أرتاح...
يشق النهار طريقه لا يعوقه ظلام الليل ولا يمنعه نوم الكسالى، يزحف في بطء كما لو كان دودة تعرف منعرجات الطريق، يحمل سمعان بقجة القماش، قادم من الزمن الأول، لا يعرف أحد فصله أو أصله، في أبلسة عرف كل الأسرار؛ بل وحتى وشم الأجداد، يوم فر نابليون من المحروسة، كان جده مع يعقوب الأرميني، طالت هذه...
"لما بلغنا أيها الملك العظيم حظنا من سحر الوقف -فقد أُذن في كل المدائن: أيها الناس، اسمعوا وعوا، لقد عرف العالم طريق اليسار- كتبنا من يومها، عند الكل، بالسحرة المنقذين".
(من كتاب: إخوان سحرة سها البال عن تذكر قبيلهم)
من المتوقع أن تسقط المدن في يد العدو، لكن أن يضحى العدو من نفس الفصيل...
كنتُ أمنّي نفسي بإن تجلس بجانبي أمراة جميلة في مقعد الباص الذاهب الى محافظة سامسون. مكان مقعدي في المنتصف ، حسب الحجز . المسافرون قليلون الى هذه المدينة المطلة على البحر الاسود، في ليل شتائي لايرحم. أنطلق الباص في الساعة الواحدة. كما هو مقرر، نظرتُ الى الخلف فرأيت سبعة ركاب فقط، يجلس كل واحدٍ...
أفزعتني نظراته عند أول لقاء لي في مكتبه؛ إذ كيف يتعامل مدير عام الشئون الإدارية مع موظف جديد بهذا الأسلوب! فيقول لي : لماذا تركت السعودية؟! وما الذي جاء بك إلى هذه الشركة ؟! هل أنت في كامل قواك العقلية؟!
تعددت نظراته الغريبة وكلماته المريبة في ذلك اليوم من جديد، لكن بمعدل كل عشر دقائق يعلق...
المصادفة جمعتني به في حفل لإحدى صديقاتي. كان قريبًا لزوج تلك الصديقة، ما إن عرفتني به حتى بادرني بسؤال:
- هل أعرفكِ من قبل؟.
أجبته وأنا أتفرس في ملامح وجهه:
- لا أعتقد، فأنا لا أنسى وجهًا قابلته أبدًا!.
زمَّ شفتيهِ وفتحَ عينيهِ دلالة الإعجاب ثم دعاني للجلوس قربه.
بدا طوال السهرة هادئًا متزنًا...
رزقني الله بعمل إضافي قبل عيد الأضحى بأيام قليلة، سعدت بهذا الرزق ليس من أجلي، ولكن من أجل إسعاد أبنائي، وأدخال الفرحة في قلوبهم، لأنني سوف أشتري لهم لحمة العيد من عند الجزار، كم كانوا يتمنوا هذا من قبل.
لقد سئموا لحوم الدجاج في عيد الاضحى، واللحوم المجمدة، التي كنت اشتريها لهم في الأعياد؛...
صمت المقابر يخيم على هذا المكان البارد .
كذلك رائحة الموت تملأ أنفها ، لا تعرف كيف تتخلص منها .
أحبته حبا جنونيا منذ أن أصبحت جثة ، لا تطيق فراقه أو الابتعاد عنه قيد أنملة.
كانت في البداية تراقبه من بعيد ، وتهتم وتحلل تصرفاته .
كانت تتساءل كل دقيقة ، كيف استطاع أن يقتلها ببرود ودون أن يرف له...