ما إن دخلت الى حجرتها ، حتى تذكرت هذا النفق المظلم الذى كانوا يعودون منه وهم فى طريق العودة الى بيتهم ..
كانت ترتعب حين يعبر القطار المجرى ويهز فوقهم سقف وجدران النفق .. فى تلك اللحظة يصبح النفق أجمل مكان فى الدنيا .. يضغط على يدها ، يترك كفها ويلف خصرها بذراعه ، يهبط بذراعه وبكف يده يتحسس...
بنى له بيتا خلف أشجار التِّين الشَّوكيّ في حقل مهجور بظاهِرِ المدينة. مسكنٌ من غرفة واحدة، سقفُها من قصب وسيقان النباتات، فوقها ألواح من المعدن والحجر، بينما تتدلى منه، في الداخل، رزم بها ملابس وفواكه جافة، تتمايل معها أنسجة رقيقًة مهلهلة تصيد به العناكب طعامَها. وعلى الأرض حصير، وفراش محشو...
كعادتي جلست أختم صلاتي علي سجادتي، جاء صوت بكائه المعهود، علي مدار اليوم يأتيني صوته من العمارة المجاورة لعمارتنا، منذ شهر و هذا الصوت يطربني، يحدث فيَّ شيئا لم أتوقف له إلا في هذه اللحظات، أمسكت بنفسي و أنا متلبسة بهذا الشعور، أيبكي هو و أنتشي أنا! لِمَ؟
تذكرت أني في كل مرة يصلني صوت بكائه...
كانت الحياة على هذه النقطة من الأرض باهتة كصرخة طفل أصم، تفوح منها رائحة الفناء. حياة ذابلة كأوراق الخريف على أرصفة الصبر، ولولا وقع خطانا وصرير أحذيتنا ولهاث أنفاسنا ودقات قلوبنا المتدفقة لأعلنت الحياة عن نهايتها. انها رحلة الموت المؤجل.
قبل ان تنشف الدماء التي سالت في حرب عبثية راح ضحيتها...
أزيز الصراصير من حولي غطى على الصمت لتبدأ حواسي في الاضطراب و ذاكرتي في الصحو لتعود بي إلى إثنين وثلاثين عامًا إلى الوراء .. أنه الكابوس المختبىء في زوايا العتمة وفي صمت الجدران وتحت الجفون ..
الأزيز يعلو كالموسيقى المنبعثة من الملهى المطلة إحدى واجهاته على النهر .. والآخر على مقبرة...
كانوا قد أزالوا أشجار الكافور العتيقة، ليمدوا سورًا حجريًا يحجب الترعة عن عابري الشارع الذي رصفوه وجعلوا اسمه طريق النصر.
كنا نسميه الكافوري، ونهرب إليه من حر البيوت لنذاكر في ظل الأشجار، أو نعبر الجسر الخشبي إلى الناحية الأخرى من الترعة، حيث نخلات قليلة متناثرة عند الحقول. لم يكن لأي منا حقل...
جئت؟ أم أنني لا أزال حمامة مهاجرة؟ تلك التي تناسلت في غيابها عشرات الحكايات، ولا أحد كلف نفسه وسأل: متى تعود فاطمة؟
لو أنهم سألوا فقط، لو أنهم ترقبوا عودتي ولو على سبيل الفضول، لكان هذا أفرحني قليلا. فأن لا ينتظرك أحد، أقسى بكثير من أن لا يتذكرك.
مشهد القرية لا يزال وفيا لبكارته، وكل شيء ما زال...
نظرت خلفي .. المنظر اليومي ذاته للمقبرة التي أزورها يومياً ، طقس من طقوس الارتياح حين أزور قبر زوجي ، الهدوء الصامت يكاد يمزق حفيف أوراق الأشجار التي تحاول مغازلة الرخام النائم فوق الأجساد الهاربة من الحياة .
تأملت انانية الأحياء ، بعض المقابر عليها الورود اليانعة التي تدل على اهتمام أقارب...
آثار سكّة قديمة، قرية إستراتيجية تعبرها الإمدادات الأيطالية المتوغلة نحو الشمال، بادرة شتاءاً حارّة صيفاً، تجذب بحيراتها العذبة وأتربتها الحمراء مجاميع البعوض وتراحيل الأبالة التائهين. تتمركز فرقتان من بقايا جبهة تحرير شعوب الجنوب مدخلها الجنوبي، إنهم عبارة عن لصوص في وطن لم يعد اسمه مسَجلا...
الغربة... الشتات... الشقاء... والعودة..
غربة الروح... وشتات النفس... وشقاء الرحلة... والعودة إلى موكب الملائكة.
عودة من الحب الآثم ومهاوي الجحيم، إلى الحب الصالح ورفاق السماء.
بقلب مُرتجف وخطوات مُضطربة، أعود الآن، أخطو نحو شارعنا القديم، في جوار مسجد السلطان حسن.
في جو...
حين دخل الغرفة لأول مرة منذ ذلك اليوم، للوهلة الأولى وجد كل شيء في مكانة كما اعتادت أن تراه عينة. لكن تلك المرة كان هناك شيء مختلف شيء جعل قلبه يرتجف ألما، أنها الرهبة من الحزن الذي قد خيم على المكان. . كل شيء كما كان إلا هي فقط، لم تكن جالسة كعادتها على مقعدها العتيق المقابل للنافذة. . كان...
قلت لها: ما الحياة إلا مجموعة من اللحظات،تأخذك لحظة الى قمة الفرح وترميك لحظه في غياهب اليأس، تمر بنا لحظات كدهر لا ينقضي تتشح فيها قلوبنا بالسواد تغلبنا فيها الحياة بقسوتها فتهزم أرواحنا ونعلن الاستسلام، ثم تعود لتمد لنا يدها، تحاول أن تصافحنا معتذرة فنتوجس منها ونرفض أن نرتدي ثوب الفرح الذي...
دخَلَتَ القاعة والحُضورُ يُتابعون بإصغاءٍ شديد، تَسللَّ عِطرها في هدوءٍ ليُعلنَ عن مَجيئها، حَادَت الأعينُ عن مُتابعة المُحاضر واشرأبَّت الأعناقُ إليها في شَغَف.
تهادَت بين الصفوف في شُموخ لا تعبأ بهمس الإطراء ولا بالعيون الفاحصة، بلغت المِقعد المُخصص لها سلفًا والذي تَصادَفَ أنْ كان إلى جواري،...
انتهت من تناول قطعة الشيكولاته التي حرصت علي تناولها في صباح كل يوم عصيب كهذا اليوم، دست الأوراق في حقيبتها وأسرعت بمغادرة المؤسسة التي تعمل بها، قطعت المسافة من مكان عملها (بيت العنكبوت ) كما تسميه دائما وهي تستعرض في مخيلتها رحلتها خلف كل توقيع من هذه الوجوه العكرة التي ابتليت بالوقوف أمامها...